رواية (دمشق يا بسمة الحزن).. بين الماضي والحاضر

عبدالرزاق دحنون:

كانت الدار في ذلك المساء الربيعي وكأنها في لحظة التجلّي الخارقة. لقد زوّقها نيسان، فنان أهوج بعثر الألوان، فإذا هي سمفونية متناغمة. أزهار البنفشة تنحدر على الجدران شلالات ثلج أبيض، النفنوفة الحمراء تتسلق قوس الليمون، الياسمينة الصفراء سطت على الدالية، نسجت فوق العريشة مظلة موشاة بالأصفر والأخضر. البحرة تحضن القمر، النافورة تردّد أغنيتها الرتيبة الموزونة. زهر الليمون والنارنج ينشر في الجو عبقاً يُغري باسترخاء لذيذ. تبدو الدار وكأنها أُعدّت لحفلة عرس. الكراسي مصفوفة في الباحة الفسيحة. الأنوار تشعّ من الدهليز إلى الليوان. ربما تصورتها هكذا لأنه خطر ببالي ما سمعته ذات مرة من قريبة لنا تقول لأمي: كأن دار بيت حميك صُمّمت لحفلات الأفراح والأعراس، إن شاء الله تُقيمين فيها فرح عرس ابنتك بالهناء والسعادة.

هذهِ العتبةُ الجميلةُ الزاخرةُ بألوان الحياة النضرة التي تدخل منها ألفة الأدلبي إلى أحداث روايتها (دمشق يا بسمة الحزن) شاهد حسن على النكهة الأخلاقيّة التي ميّزت تجربتها الأدبيّة وأمدّتها بقوّة استمرار هائلة، ممّا أهّلها للانتماء إلى ذلك الصنف من الأديبات المجتهدات رفيعات المقام. وسجّلت اسمها كواحدة من أكبر الأديبات السوريات والعرب، حصلت على العديد من شهادات التقدير والجوائز السورية والعالمية.

(دمشق يا بسمة الحزن) من الروايات السورية المهمة والناجحة للكاتبة الدمشقية بنت حي الصالحية ألفة الإدلبي، تدور أحداثها في دمشق أثناء مرحلة الانتداب الفرنسي على سورية، وتروي من خلالها حياة فتاة تدعى صبرية تعيش مع أسرتها المكوّنة من الأب والأم وثلاثة إخوة هم راغب، ومحمود، وسامي، تناولت الرواية علاقة البطلة صبرية مع أشقائها وقصة حبها من عادل ابن خباز الحارة ومعاناتها من قيود المجتمع.

تحوَّلت رواية (دمشق يا بسمة الحزن) إلى فيلم سوريّ. كتب سيناريو الفيلم القاصّ السوري محمود عبد الواحد، وأخرجه ماهر كدّو، وأنتجته المؤسسة العامة للسينما عام 2008. يحكي الفيلم -كما الرواية- قصة صبرية التي تعاني من العقلية الذكورية في المجتمع في زمن الثورة السوريّة الكبرى حتى الأربعينيات، ويُصوّر محاولة المرأة السوريّة تحقيق حريتها ومساواتها مع الرجل. وكانت الرواية قبل الفيلم قد تحوَّلت إلى مسلسل سوري ناجح من إخراج لطفي لطفي. إنتاج التلفزيون العربي السوري عام 1992 وكان طاقم العمل يتألف من: أحمد أيوب، جلال شموط، رنا جمول، زهير رمضان، نجاح حفيظ.

ألفة الإدلبي كاتبةُ قصّة عريقة ازدهرت في النصف الثاني من القرن العشرين وهي دمشقيّةٌ حَمِسة، كرّست معظم كتاباتها لمدينتها. ومدينتها دمشق مش إدلب، إنّما تأدلبت تبعاً لزوجها الطبيب حمدي الإدلبي على حسب العادة الغربيّة. من أشهر رواياتها (دمشق يا بسمة الحزن) من منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي السوريَّة 1980 لها مجموعات قصصيّة متعددة منها: (قصص شاميَّة) و (وداعاً يا دمشق) و (يضحك الشيطان) و (عصيَّ الدمع) وكتاب مقالات بعنوان (نفحات دمشقيَّة). وآخر رواياتها كانت (حكاية جدّي) وجدّها هو (محمد جلبي) من داغستان، فهي تنتمي من طرف الأم (نجيبة داغستاني) إلى أسرةٍ هاجرت من داغستان إلى دمشق عام 1925 وما زالت فيها إلى الآن، وتحمل اسم (بيت الداغستاني). ولدت ألفة الإدلبي في دمشق عام 1912 وتوفيت فيها عام 2007، أبوها أبو الخير عمر باشا، وأمها نجيبة الداغستاني وهي البنت الوحيدة بين خمسة إخوة ذكور.

تدور أحداث رواية (دمشق يا بسمة الحزن) في جو وطني ثائر على المستعمر، تتناول من خلاله محور الثورة والمرأة والمجتمع، مع التركيز على المحور الأساسي وهو المرأة ومعاناتها ومحاولة تحررها من قيود المجتمع ممثلة ببطلة الرواية صبرية الفتاة المثقفة، الناجحة، التي تحب المطالعة وأتمّت دراستها بنجاح يؤهلها لدخول دار المعلمات، كانت تعاني من أبيها وأخويها راغب ومحمود بسبب عقليتهما المتعصبة، أما أخوها سامي فقد كان رافضاً جميع القيود التعصبية التي كبّلت المجتمع والمرأة خاصة.

ورغم تلك الصعوبات تعيش صبرية قصة حب مع عادل ابن خباز حارتها، فقد كان يحضر لهم الخبز، فتفتح له الباب وتأخذه منه متبادلة معه النظرات التي فيما بعد تحولت إلى أحاديث وتبادل للقصائد الرومنسية والروايات، فقد كانا يعلّمان على عبارات متفرقة تحكي حالهما وحبهما. وفي ظل تمادي المستعمر الفرنسي تتفجر الثورة في جبل العرب ثمَّ امتدت إلى حماة وحلب والجولان ثمَّ إلى الغوطة، ويلتحق الرجال والشبان بالثورة وكان سامي وعادل منهم، يستشهد سامي ويعود عادل الذي تقوى علاقته بـصبرية ويرسل والدته لخطبتها، فتُطرد من المنزل بسبب الفرق الاجتماعي بينهم، فهي ابنة تاجر وهو ابن خباز، ولكن صبرية ترفض الاستسلام والتخلي عن عادل وتتفق معه على الزواج سراً والهروب، إلا أن مرض أمها المفاجئ يفشل خطتها وتبقى إلى جانب والدتها. وفي أحد الأيام تقود مظاهرة ضد الفرنسين ممثلة زميلاتها في دار المعلمين، وعندما تعود تستقبل بالضرب والشتائم من قبل أخويها وأبيها وأمها، وتمنع من مغادرة المنزل، ولكن الضربة التي قضت عليها هي عندما علمت أن من دبّر أمر اغتيال عادل هو شقيقها غالب، فتقرّر أن تنهي حياتها معلّقة بشجرة النارنج التي كانت دائما تستظل بظلها، والتي ابتدأنا بها مقالنا. وبدلاً من أن يكون عرسها في هذه الدار الدمشقية الأنيقة، كان حتفها.

والآن، بعد قراءة الكلمات الأخيرة من رواية ألفة الإدلبي (دمشق يا بسمة الحزن) في هذه الساعات المباركات أُطلُّ عليك يا وطني من جبل قاسيون، عبر شاشة زرقاء في (اليوتيوب) فأرى دمشق تُعانق الأحزان والخيبة، إي والله، وأرى الفقر والعوز يُلاحق البشر في شوارعها، وأتذكّر قول علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه- لو كان الفقر رجلاً لقتلته، فأنحني على كبدي وأقول رحم الله أديبتنا الكبيرة ألفة الإدلبي لأنها ماتت ولم تشهد بأمّ عينها ما آلت إليه مدينتها الأثيرة من عوز وحرمان. وأزعم -وعساه يكون زعماً مقبولاً- لا عيب في أن تقوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو بين الحكومة والمواطن، على إطعام الجياع والمساكين وأهل السبيل. وأظنها بادرة طيبة أن يكون للحاكم مطاعم شعبية مجانية منتشرة في أرجاء البلاد يدخلها من شاء ليأكل ما شاء دون حسيب أو رقيب. وإطعام الخلق وإشباعهم مهمة جليلة تستحق الثناء والتقدير، وأعتقد أنها ليست منة من الحاكم بل هي فرض عين، لأنه نقل عن عمر بن الخطاب قوله: أسعد الناس من سعد به الناس وأشقاهم من شقوا به.. والسلام ختام!

العدد 1096 - 21/2/2024