التسامح والعدالة لا ينفصلان

حسين خليفة:

اعتمدت الأمم المتحدة تاريخ السادس عشر من تشرين الثاني يوماً عالمياً للتسامح بدعوة من الجمعية العامة للمنظمة عام 1996، وكانت الجمعية قد أصدرت إعلاناً عام 1993 باعتماد عام 1995 عام الأمم المتحدة للتسامح، ثم أقرت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في مؤتمرها العام بتاريخ 16 تشرين الثاني 1995 إعلان مبادئ حول التسامح تضمنت المادة (1ـ1) من هذا الإعلان تعريفاً للتسامح بأنه (يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزّز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد، إنه الوئام في سياق الاختلاف. وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضاً. والتسامح هو الفضيلة التي تُيسِّر قيام سلامٍ يُسهم في إحلال ثقافة السلام محلَّ ثقافة الحرب).

كما أنشأت المنظمة جائزة اليونسكو للتسامح تُمنح كل عامين لشخصيات أو مؤسسات أو منظمات قامت بمبادرات جديرة بالتقدير في حقل التسامح والتفاهم واللاعنف بين الشعوب.

وتؤكّد المنظمة في إعلان المبادئ على (أن التسامح لا يعني التساهل أو عدم الاكتراث، بل هو احترام وتقدير للتنوع الغني في ثقافات هذا العالم وأشكال التعبير وأنماط الحياة التي يعتمدها الإنسان. فالتسامح يعترف بحقوق الإنسان العالمية وبالحريات الأساسية للآخرين. وبما أن الناس متنوعون بطبيعتهم، وحده التسامح قادر على ضمان بقاء المجتمعات المختلطة في كل منطقة من العالم).

من هنا يتضح لنا المعنى الذي قصده المُشرّعون للتسامح، وهو أولاً وقبل كل شيء مواجهة التعصّب الذي يعتبر المصدر الأساسي له المظالم التي يتعرّض لها الأفراد والشعوب نتيجة الحقد والتمييز والعنصرية لتفادي قيام الأفراد باعتماد القوة لنيل حقوقهم ورفع الظلم عنهم وتسوية خلافاتهم، ولا تكفي القوانين وحدها على أهميتها وضرورتها لتحقيق هذا الهدف، وإنما تتحمّل الحكومات مسؤولية تنفيذ قوانين حقوق الإنسان ومنع جرائم التمييز العنصري بحق الأفراد والأقليات، ومعاقبة مرتكبيها مهما كانت مواقعهم أو صفاتهم.

مصادر التعصّب الأساسية تتركّز في الجهل والخوف من الآخر، ومن الثقافات والأديان الأخرى مقترنة بشعور طاغٍ من الثقة الزائدة بالنفس نابعة من الوعي المُكرّس في المجتمع والتعليم، ممّا يتطلّب جهوداً كبيرة وملموسة في البيت والمدرسة، ووسائل الإعلام، لتعليم الأطفال خصوصاً مبادئ التسامح وحقوق الإنسان وتقبّل الآخر المُختلف واحترام الاختلاف والتعدّد. والاستمرار في نشر ثقافة التسامح للشرائح العمرية الأخرى في مختلف قطاعات النشاط الإنساني وبضمنها دور العبادة وأماكن العمل والمنتديات والمحافل والمنظمات.

وفي حالات الصراعات القومية أو الدينية أو السياسية تجد أفكار التعصّب تربة خصبة يستغلّها السياسيون وقادة الحروب لتحقيق مآربهم الخاصة، ويزيدون في إشعال نيران الحقد بين الشعوب والأمم. فالتعصّب يولِّد المزيد من التعصّب، فيصبح ضحاياه باحثين عن الثأر وعن رفع مظلومياتهم بالعنف ومحاولة إلغاء الآخر، الأمر الذي يوجب على الدول والمنظمات الدولية والإنسانية نشر فكر التسامح وكشف أضرار العنف ونتائجه.

والفرد هو الحلقة الأساسية في هذا المسعى بأدوات العمل السلمي وبذل الجهود مجتمعين أفراداً وحكومات ومنظمات لنشر فكرة التسامح ونبذ العنف والانتقام.

لكن التسامح لا يكتمل مفهوماً إلاَّ بالاقتران بفكرة العدالة حتى يكتمل مضمونه ومعناه.

فلا يُعقل أن نترك القتلة ومُجرمي الحروب ومُشعلي الفتن القومية والدينية والطائفية والطغاة دون عقاب بحجّة التسامح.

وتحديد مضمون العدالة والعقاب وحدوده هو ما يوضح معنى التسامح وإمكانية تحقيقه، ففي حالة طاغية تسبّب بالكوارث على الناس والبلاد، ونشر الرعب والخراب فيها، وأشعل الحروب لتحقيق أحلامه المريضة أو أيديولوجيته البائدة مُخلِّفاً آلاف الضحايا والتنكيل بالبشر، لا يمكن أن يشمله التسامح هو وأعوانه وقادته. لأن التسامح حتماً هو للناس الذين لعب بعقولهم وجنّدهم في حروبه، واستخدمهم في نشر القتل والخراب والخوف.

هؤلاء هم المعنيون بالدرجة الأولى بتحييدهم عن العقاب، باستثناء ما يتعلّق بحقوق الأشخاص التي تختصُّ بها محاكم مُحايدة وعادلة. وبالتوازي مع ذلك إخضاعهم لبرامج إعادة تأهيل لطرد فكرة الآخر العدو من رؤوسهم، ونبذ العنف وإلغاء المختلف وتكفيره أو تخوينه حتى يعودوا بشراً أسوياء لهم ما لغيرهم من حقوق وواجبات.

حقيقة عندما نتأمّل في تجربة الحرب السورية المُستمرة وإن بأشكال أخرى نتساءل بحرقة: كم سنحتاج إلى مراكز تأهيل وعلاج نفسي وأخلاقي للآلاف المؤلفة ممّن تمّت تغذيتهم بالفكر العدائي والحقد، وتمجيد فكرة إلغاء المُختلف ومحوه من الوجود، وتبرير قتل الآلاف والاعتقال والنفي واستباحة الأعراض والممتلكات؟!

إنها مهمة الأجيال التي ستأتي بعد الحرب، وبعد تحقيق التسوية السياسية التي ستُعيد لمّ شمل السوريين، وتعيد سورية وطناً لكلّ أبنائها مع احترام الاختلافات على أشكالها.

والتسامح هو لبّ الفكرة وأساسها لتحقيق هذا الهدف النبيل، التسامح الذي لا يمكن أن ينفصل عن العدالة ومحاسبة مُجرمي الحرب كائناً من كانوا وأينما وُجدوا.

العدد 1115 - 17/7/2024