ويسألونك عن الفقر

حسين خليفة:

الحديث عن الفقر وخطوطه وضحاياه في سورية أكبر من أي أرقام ونسب ومؤشّرات، إنه صوت الناس وصورتهم وهم يخرجون صباحاً إلى معركتهم المستمرة من أجل الاستمرار في العيش بانتظار يوم الخلاص الذي يخرجون فيه من أجل الحياة.

لكن لنقرأ: 9 من كل عشرة من السوريين يعيش تحت خط الفقر!! والعاشر منهم لص أو ثري حرب أو بائع شعارات من هؤلاء الذين يحثوننا على الصمود والدفاع عن الوطن الذي لا يرونه إلاّ في شخوصهم وشخوص أولياء نعمتهم.

هذه النسبة المخيفة ليست خبراً في وسيلة إعلام (مغرضة) كما دأب الإعلام السوري على ترديده، بل هي من حديث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش في شهر حزيران من العام الحالي 2023، وذلك في رسالة وجهها لمؤتمر بروكسل السنوي السابع لدعم مستقبل سورية والمنطقة الذي ينظمه الاتحاد الأوربي.

اختصر البرتغالي غوتيرش المأساة السورية بجملة واحدة: (معاناة السوريين تتحدّى الوصف). بينما أولياء الكارثة السورية ما زالوا يعيشون في كوكبهم اللازوردي ولا يرون الحرائق التي التهمت كل شيء، البلاد والعباد والحاضر والمستقبل، إنهم مشغولون بنهب آخر ما تبقى من روح في هذا الجسد المُدمّى النازف المُنهك المُسجّى على حجر التاريخ: سورية.

ما هو خط الفقر؟!

خط الفقر هو المستوى الأدنى من الدخل الذي يحتاجه الفرد ليتمكّن من توفير مستوى معيشة في بلد ما.

وعادة ما يتم تحديد خط الفقر باحتساب التكلفة الإجمالية لجميع الموارد الضرورية التي يستهلكها الفرد البالغ في سنة واحدة. ويكون البند الأساسي من هذه التكاليف هو تأمين السكن، وقد أولى الاقتصاديون اهتماماً مُميّزاً بسوق العقارات وأسعار الإسكان كمؤشّر رئيسي في تحديد خط الفقر.

خط الفقر المدقع هو أن يكون دخل الفرد أقل من دولارين في اليوم (ما يعادل 30000 ليرة سورية أي بحدود مليون ليرة شهرياً)

بهذا يصبح الدخل المطلوب لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد وهو معدل وسطي للأسرة السورية بحدود خمسة ملايين، حدود الفقر المدقع.

كم عائلة في سورية يتجاوز دخلها خمسة ملايين ليرة سورية شهرياً؟!

السؤال مُضحكٌ مُبكٍ.

العاملون في الدولة، الموظفون في الأرض، المتقاعدون الذين يرقدون أسفل السلم الاجتماعي، العاملون في القطاع الخاص بغالبيتهم حيث لا تتجاوز دخولهم الشهرية خمسين دولاراً بينما وقفت دخول زملائهم العاملين في الدولة عند حدود (12 ـ 20) دولاراً شهرياً!؟

العاطلون عن العمل والأمل، وهم نسبة كبيرة من المجتمع السوري، بعضهم تحوّل إلى امتهان السرقة والنشل والتشليح والتعفيش، وقد أصبحت ظواهر فاقعة في المدن والقرى والأحياء، يسحبون حقائب النساء، الدراجات والسيارات، خزانات المياه، مضخات الماء من مداخل البيوت، كبول الكهرباء.. وكل ما يجدونه أمامهم لطرد وحش الجوع. وبعضهم صار ضحية للإدمان يصرّف بضاعة صنّاع المخدرات.

هل يحسبنا بشراً أباطرةُ الزمن الرّث هذا الذين يزيد مصروف أصغر أولادهم اليومي على مئة دولار؟!

اقتصاد القمامة:

ثمّة نسبة كبيرة من السوريين الباقين في الداخل يعيشون على القمامة..

نعم، لقد أوصلتنا آلية النهب التي يُنفّذها الأثرياء الجُدد إلى أن يصبح جزء ليس بالقليل من السوريين أيدٍ عاملة في اقتصاد القمامة. تجدهم ليلاً نهاراً، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، يلفون وجوههم كمقاتلين في حروب عصابات فلا تبين إلاّ عيونهم، يغمرهم الوسخ والتراب من نعالهم المُهترئة إلى رؤوسهم، وهم ينبشون حاويات القمامة ويفرغون محتوياتها على الأرض ليخرجوا منها ما يريدونه من مواد ويضعونها في أكياس كبيرة يعلقونها على ظهورهم، أو يحملونها على العربات، ليمضوا بها آخر نهارهم المرهق إلى تُجّار مُخصّصين لهذه المواد الذين يدفعون لهم ملاليم مقابل جبال القمامة التي يحملونها إليهم، فيقوم عمال وعاملات يشبهونهم في القهر والغبن واغتصاب الإنسانية بفرزها وتحميلها إلى حيث تقوم معامل المُترفين بإعادة تدويرها وبيعنا إياها.

إنه اقتصاد القمامة في زمن القمامة.

هل بعد هذه اللمحة الموجزة عن هذه الفئة التي أصبحت فئة كبيرة ووازنة في المدن السورية كلام عن الفقر والبؤس؟!

لم يعد الأمر منوطاً بدول ومنظمات وهيئات دولية وغير دولية.

لقد أصبح الموضوع بحاجة إلى جراحة شاملة لاستئصال العلقات التي أوصلت الجسد السوري إلى هذا الوهن وتستمر في امتصاص دمه ونخر عظامه.

لم يعد الموضوع خطوط فقر أو خطوط جوع في سورية، لقد تحوّلنا إلى ديدان في حفرة عميقة نعيش على التهام بعضنا البعض، ونَضمرُ رويداً حتى يتضخّم ثراء هذه القلّة المُجرمة المُجرّدة من أي شرف أو أخلاق أو ضمير أو انتماء.

العدد 1112 - 26/6/2024