الجوع

سعيد بشتاوي:

أينما حلّ الجوع في طرف من أطراف هذا العالم، حلّ الثراء في الطرف الآخر منه، هكذا وصّف المُعلِّم كارل ماركس أنّ تراكم الثروة في قطب، يؤدّي إلى تراكم الفقر والتردّي في القطب الآخر، وهذه حالة منطقية، يختصر من خلالها كارل ماركس الكثير عن طبيعة الصراع الطبقي الذي يحرّك هذا الكون، والذي يحدّد أوجه التحدّيات والتحالفات والصراعات الجديدة فيه.

لا شكّ أنّ الجوعَ ظاهرة طبيعية موجودة في كل عصر منذ بداية تكوين هذا الكون، بطابعه الحجري القديم أو البدائي أو الصناعية وحتى الاشتراكي والرأسمالي، ولكن إلى أيّ مدى تساهم هذه الظاهرة في رسم صورة العالم، هل إن هذا الجوع يخصّ الجائعين فقط دون الأغنياء، وإنّ تأثيره ينطبق على من يعانيه ومن يتعب به، ولا دخلَ لطبقة أخرى غير جائعة به؟

إن الجوعَ مع تطوّر حركة الزمان والحياة لم يعد الجوع التقليدي الذي نعرفه في حالته الطبيعية، ألا وهو حاجة الجسم إلى الطعام الكافي ليعيش هذا الجسم حياته الطبيعية، وإنّما تطوّر مصطلح الجوع واتّسع، شأنه شأن أي مصطلح في هذا الكون.

الجوع إلى الطعام وحتى الجوع إلى الحرية يؤدّيان إلى فوضى المجتمع، وما إن تحقّقت هذه الفوضى فإنّها مرهونة بتحقّق تبِعاتٍ لها، فالمجتمع الذي يسيطر عليه الجوع تسيطر عليه – بفعل الفوضى التي أحدثها- السرقةُ والمرض وانعدام الأمن وتفشّي القتل وغياب السلطة، وانفلات زمام الأمور من يديها، وتراجع دورها -إذا كانت سلطة لا وطنية – في إعادة ضبط الأمور، هذا من جهة، وفي الجهة الأخرى، فإن الجوع بشقّيه الجوع إلى الطعام أو الحرية يُشعل نار الثورة في أوساط كثيرة من الشعب وخصوصاً الطبقة المثقّفة منها، ما يؤدّي إلى اشتعال ثورة الجوع، وثورة الحرية اللتين لا شكّ لن تنشأا إلا في ظل سلطة تمتهن سرقة الشعب ونهب ثروات البلاد، سلطة تقوم على الفساد والمحسوبيات وغياب المهنية في عملها وأداء برامجها، ومثل هذه السلطات لن تقابل هذه الثورات التي نشأت عن الجوع  وانعدام الحرية إلا بتوجيه الاتّهامات إليها ومقارعتها بالسيف والمخرز، والالتفاف على مطالبها والابتعاد عن فهمها وفهم طبيعتها.

في مثل هذه الحالة تتطوّر الثورة من ثورة مطالب محدودة إلى ثورة تغيير شامل، ولن تستبعد الخيار المسلّح ما دامت السلطات تلجأ إلى السلاح في تعاملها مع هذه الثورة، عندئذٍ تُخلَق البيئة المناسبة لتفشّي ظواهر وعقبات الجوع، من فقر ومن فوضى وغياب استقرار وانعدام الخدمات وغياب السلطة بشكل شبه كامل، عندئذٍ يتحوّل المجتمع من مجتمع حضري إلى مجتمع الغابة، حيث لا سلطة إلّا ما تحصّله يداك، فتستيقظ روح الحيوانية الموجودة داخل الإنسان والتي تنتظر مثل هذه الأحوال الاجتماعية حتّى تنهض، فيبدأ الإنسان تدريجيًّا بتسويغ أي تصرّف منه في مقابل تأمين حاجته المعيشية له ولعائلته، فتراه يسرق ويقتل ويصارع وربّما يمتهن أعمالاً غير قانونية مقابل الدخل المناسب، وهكذا حتى تنتقل الحيوانية من الفرد فتغطّي المجتمع كاملًا، وتزيد المعاناة إذا ما غابت عن الثورة قيادةٌ جماعية واعية تعرف أهدافها وتعرف كيف تحقّقها وكيف تستردّ حقوق الشعب، وإذا ما زادت هذه الثورة قوةً ازادت حاجة السلطة للتحالف مع من يقوّيها ويسندها ويساعد سطوتها، ما يضطر الثورة إلى أن تتحالف هي أيضاً مع قوى معادية للسلطة على قاعدة: (عدوّ عدوّي صديقي)، فيختلط الحابل بالنابل، وتضيع الثورة ومعها تضيع السلطة، والخاسر في هذه الحالة هو المجتمع بأكمله.

ينشأ الجوع في ظل حكومات الفساد أيّاً كان نوعها، إن كانت اشتراكية أو رأسمالية، فالفسادُ فسادٌ مهما تغيّرت صورة الحكومة التي ينشأ فيها، لأن الفساد يراكم الثروة في طبقات المسؤولين وأصحاب القرار على حساب طبقات الشعب الذي لا حلّ لردّ جوعه إلا أن تُوزّع عليه ثروات البلاد بشكل منصف وعادل، وذلك لن يحصل إلا بوجود حكومة وطنية واعية تدرك خصومها، وتدرك متى تتحالف ومع من، وبشكل طردي كلّما ازداد الجوع كانت السلطة أكثر فساداً، وما دامت السلطة تزداد فساداً فإنها وبشكل منطقي ستزداد ضعفاً وانهياراً، فتكثر ضرائبها وجبايتها حتى تستطيع أن تغطّي نفقاتها وتدعّم ميزانيتها، وإذا ما زادت الجباية فإنّ ذلك دليل انهيار الدولة على حدّ وصف ابن خلدون في دراسته لازدياد عمران المجتمعات وازدياد مظاهر الترف فيها.

من الطبيعي أن العمران والترف الذي تفتخر به أيُّ دولة لم يكن إلّا بنهب ثروات الشعوب، قد تنهب هذه الدولة شعبها وقد تنهب شعباً آخر على غرار فرنسا التي تقوم حضارتها وعمرانها على حساب القارّة السمراء، والتي أصبحت مؤخّراً تدرك أنّها منهوبة ولا بد من أن تستفيق وتثور في وجه هذه السلبطة العلنية وغير المشروعة من قبل حكومات فاسدة في إفريقيا. ولذلك نشاهد أن أكثر مظاهر الجوع انتشاراً هي في إفريقيا، حيث البطون الخاوية، والصدور العارية، والأقدام الحافية، والوعي الغائب، والسلطة المتهاوية.

إنّ انتشار الرأسمالية والبرجوازية وازدياد نفوذهما في هذا العالم لَعاملٌ خطير يساعد الجوع على الانتشار؛ لأن ازدهار الرأسمالية لا يتمّ إلّا بالإمبريالية واحتلال أراضٍ أخرى بذرائع شتّى. وعند ذلك لا بدّ وانطلاقاً من الديالكتيك الجدلي من وجود نقيض حقيقي لهذه الرأسمالية يحاربها ويصدُّها ويكون ندّاً قويّاً لها، ولن يتحقّق ذلك إلا بتظافر جهود النهج الاشتراكي وإعادة إحيائه وتقويته من جديد، حتى لا يصبح العالمُ بأكمله رهن الرأسمالية، وإن لم تكن هنالك رغبة حقيقية من جهات منظّمة لإحياء الاشتراكية، فإنّها أي الاشتراكية ستنهض من جديد من تلقاء نفسها، لأنها حاجة إنسانية ملحّة تُولَد في مجتمع أكله الفقر والجوع والحرمان وهيمنة بعض أفراد الدولة على مفاصل الثروة والاقتصاد فيه.

 

العدد 1115 - 17/7/2024