المتقاعد.. أو متْ قاعداً!

حسين خليفة:

أعتقد بأن أي مسؤول سوري مهما علت مرتبته وموقعه في سلم المناصب لو فكّر يوماً بأن هذا الكرسيّ، الذي يجلس عليه ويستمد سلطته وسطوته منه، لن يدوم، وأنه سيعود يوماً إلى صفوف الناس العاديين، ويدخل وزارته أو مؤسسته التي كانت تتزلزل تحت قدميه حين كانت مزرعة خاصة له، يدخل كمراجع عادي يقف أمام موظفين جُدُد لا يعرفونه ولا يقيمون له أي وزن سوى بصفته مراجعاً عادياً، وحتى لو كان قد استفاد من موقعه وجمع ثروة فإن النعم لا تدوم، وربما يخسرها ويعود مواطناً كسائر المواطنين.

لو فكّر بعض المسؤولين بأيامهم القادمة بعد أن يهجروا الكرسي أو يهجرهم الكرسي لينضمّوا إلى الموظفين المتقاعدين، لما تركوا قضايا المتقاعدين دون حل، سواء في مستوى الدخول الضحلة التي تقل عن رواتب العاملين الهزيلة بنسب معروفة، إضافة إلى عدم وجود أي تعويضات أو حوافز أو مكافآت، أو غياب الضمان الصحي وهم في أعمار أحوج ما يكونون إلى هذا الضمان بعد أن أنهك العمر والتعب أجسادهم/ن، أو في غياب النوادي وأماكن ترفيه ومكتبات ودور سينما أو مسرح خاصة بهم تراعي دخولهم وأوضاعهم الصحية واهتماماتهم وإمكاناتهم الجسدية.

يستطيع المسؤول، وهو في موقع القرار، أن يساهم في إقرار بعض حقوق هذه الشريحة المسحوقة، وتقديم ما يستوجب على المجتمع والدولة تقديمه لهم بعد أن أفنوا عمرهم في الخدمة والعمل.

لكنه من فرط انغماسه في نِعَمِ المنصب ومزاياه، ومن فرط تصديقه للمتزلفين والمنافقين حوله، ينسى ذلك اليوم الذي لن يرنّ فيه هاتفه إلّا من الأقربين، الذين ربما نسيهم في غمرة انشغاله بالمنصب، وهم يطمئنون على صحته ووضعه واحتياجاته، بينما كان يضيق ذرعاً خلال (أيام اللولو) بالرنين المتواصل لهواتفه الكثيرة ويطنّش عن كثير منها ويكتفي بالرد على الضروري والمهم.

لو تأمّل قليلاً لربما كان قد قال كلمة عن زملائه الذين سبقوه إلى التقاعد وفعل شيئاً لهم وله لاحقاً.

هل تعلم أنّ مبنى التأمينات الاجتماعية في البرامكة بدمشق مثلا ليس فيه مصعد؟؟! ومثله الكثير من أبنية المؤسسات والوزارات ودوائر الدولة، وهو المكان الذي ينهي فيه المتقاعد أوراق معاملته المُعقّدة والطويلة، وكل مراجعاته اللاحقة بخصوص وضعه التأميني وتطوراته.

هذا مثال بسيط عن غياب التفكير في هذا الإنسان الذين كان معنا أمس يضجُّ نشاطاً وحيوية ويقوم بواجبه الوظيفي بأمانة وإخلاص.

هذا الأمر يدفع الكثير من المتقاعدين إلى الاستعانة بمعقّب معاملات لا يقبل أجره أقلّ من راتب شهر.

وسمعت أنه في البلاد الإمبريالية الحقيرة التي لا عمل لها إلّا التآمر على نظامنا السياسي وطبقتنا العاملة المقدامة التي تستمر في التصدي لمؤامراتهم وهي جائعة مذلولة خائفة من قول كلمة واحدة عن وضعها المزري، هناك لا يقوم العامل بأي إجراء عند إحالته على التقاعد، بل تأتيه رسالة من شركة التأمين فحواها أنك اليوم أصبحت من زبائننا وترحب به بأجمل العبارات، وتبيّن له أن حقوقك هي كذا وكذا وكذا، وأماكن مراجعتك للضمان الصحي في حال المرض، وتحدد أماكن الترفيه والسياحة الداخلية المجانية لك، والمولات ومراكز البيع المُخصّصة لشراء احتياجاتك على نفقة الشركة أو بأسعار رمزية، ووسائل النقل التي يحق لك التنقل فيها بالمجان …إلخ.

هذه واحدة من الحالات التي تكشف أفضليات الأنظمة (الاشترارأسمالية) التي جعلنا القدر نحظى بها، وهي أنظمة تسير بمراكب البلاد التي تحكمها إلى اليمين دائماً بينما (تغمِّز) إلى اليسار، كما تروي النكتة المعروفة. وهي تعكس نظرة المُشرّع والحاكم إلى الإنسان وحقوقه ومتطلبات حياته الحرّة الكريمة التي من واجب الدولة أن تؤمّنها خلال سني عمله وما بعدها بموجب قوانين وإجراءات واضحة وميسّرة، ودون أن نحمِّله منيّة إذ نسمّيها مكرمات وهبات ومنحاً، لكننا هنا في هذه البلاد المبتلاة بداء الشعارات نجعله يتمنى الموت ألف مرة قبل أن يُقْدم على التقاعد ويصبح شخصاً منسياً تماماً كقطعة خردة نرميها فور الانتهاء من الحاجة إليها للأسف الشديد.

الآلاف من (المنخرطين) في نقابات العمال والهيئات والمؤسسات التمثيلية، ممثلين مفترضين للطبقة العاملة، لا علاقة لهم بهموم أبناء هذه الطبقة ومستقبلهم وظروفهم المعيشية بعد التقاعد، ولا يعنيهم إلّا رضا صاحب القرار وما يغدقه عليهم من فتات المكاسب، لأن النقابة أصبحت بعد قيام الأنظمة (الثورية) أقرب إلى دائرة تابعة للحكومة وأداة من أدواتها في تطويع العامل وإسكات صوته وصرخته المُعبّرة عن آلامه وهمومه، إنها منظمات واتحادات لتدجين العامل وتعليمه الصمت إلّا عندما يخرج في مسيرات الدبكة والولاء.

لذلك لا تبدي هذه النقابات اهتماماً يُذكر بما يعانيه العامل/ة عند تقاعده/ا، وما سيعانونه هم أيضاً حالما يحالون إلى التقاعد.

إنها ذاكرة السمك التي يصاب بأعراضها من يتسلّم العمل العام في تلك البلاد المسكينة.

هذه ليست دراسة موثّقة لأحوال المتقاعدين طبعاً، وليست لدي قاعدة بيانات لتقديم إحصاءات وأرقام وحالات، لكنها مادة انطباعية بحكم مشاهداتي وقراءاتي لبعض بعض ما يعانيه المتقاعدون، على أمل أن يقوم النقابيون الشيوعيون والقلّة من الشرفاء على الأقل بتحريك هذا الموضوع، وإعداد دراسات رصينة وحقيقية عن أحوال قطاع مسحوق من هذا الشعب الذي تعرض لأقسى محنة في تاريخه منذ عقود، وعكْس ذلك في مطالبهم ومداخلاتهم في الهيئات النقابية والتشريعية وغيرها، وهو أضعف الإيمان.

العدد 1115 - 17/7/2024