النصر المبين والاستثمار العقلاني الرزين

الدكتور سنان علي ديب:

النصر والانتصار ليست مصطلحات محتكرة للحروب بالأسلحة التقليدية، كما تعودنا، وخاصة بعدما تعددت أسلحة قتل الشعوب، بعدما طورت الإمبريالية العالمية أدواتها لبث الفوضى وتعميمها بخطوات غير مقيدة بأي محددات قانونية أو شرعية أو إنسانية، فتسعير الصراعات وتفريغ الشعوب وتقزيمها وإشعال غرائزها وتكريس الأنانية والفردانية كانت المخرجات التي تعمل عليها لإدارة الازمات ومنع حلها، ونكذب إن لم نصدق القول بأن اليأس قد دخل نفوس الأغلبية وخاصة عندنا لتعقيد المشاكل وقطع الحلول وخاصة توصيفنا للحرب بأنها أزمة أخلاق، وقد استفحل التخريب وانتشرت الانعكاسات الاجتماعية التي هي خطر متفجر وأخطر من النووي، والتي خمن كثر بأن صغيرة منها قد تكون تسببت بالزلزال المدمر وإن لم يكن، فدول الغطرسة تتحمل أغلب نتائجه، وكيف لا ونحن منذ سنوات بصراع لإعادة السوريين المهجرين والنازحين، التي جعلها الأغلبية أدوات ابتزاز وورقات داخلية.

المهم هو النصر والانتصار بتحويل رعب الزلزال إلى رعب لمن صنع وعرقل وسعّر التدمير، فوحدة الشعور ووقع الخوف والرعب ومأساة النتائج وحدت، وجعلت الأغلبية تقفز فوق المعاناة وتسارع للمساعدة بأي شكل من أشكال التبرع ولو باختلافات وكرم فوق القدرة وهروب واختفاء ممن لم ولن نتوقع منهم كرماً حاتمياً وهم في مسيرتهم أدوات مسعورة غرائزية.

المهم أن المأساة وحدت وهيأت الأجواء للقفز فوق المطبات، وللسير بحل وطني يقوم على التقرب والتقريب وتوحيد الداخل، والاتفاق على برنامج وطني جامع لما بعد الزلزال، فرب ضارة نافعة.

ومن ضمن هذه الجوامع المنتصرة برنامج عقلاني لحل مشترك لمآسي الزلزال وما قبله، فهل سيكون ما بعد الزلزال مثل ما قبله؟

الاستفادة السياسية وبتفاعل ونشاط جمعي كانت بوضع الولايات المتحدة في خانة (اليك) عبر تعرية سلوكها اللاإنساني بمحاصرة شعوب وإرهاب علني بعقوبات لا شرعية ولا إنسانية، بالتوازي مع أدوات عرقلات داخلية تؤدي إلى تصحير بلدان قطعت مراحل تنموية، وهذه من أخطر المؤشرات على استعمار إرهابي استكباري تمنع أي تطور، والتحول من الاقتصاد الريعي إلى متعدد الإنتاج.

المهم مللنا من التكرار: يجب تسخير كلّ الإمكانات للكلّ.

فالكل للكل وليس هناك أسياد وعبيد، ومن يتحمل النتائج ليس هو المسبب ولن نتعمق بالمسببات وبالفساد في المخططات والتنفيذ بالتعهدات والبلديات، ولا بسوابق مأساوية بمعونات مزاجية التوزيع، وأغلبها لاعتبارات لأن الوقت ليس للتشفي، وإنما للاستيعاب، والوقت لتشجيع من نسي دوره ووظيفته ليعود الضمير له وإن كانت هناك صعوبة.

المهم ما وجدناه يعطي إيجابية للاحتواء والسيطرة والإصلاح والانتعاش، فهل نستثمر الظروف والمزاج العام؟

ودوماً، وطبعاً نعتذر من مدّعي علمانية لا يعرفون معناها، الله هو الحامي وهو يقف دوماً مع الشعب السوري ويجدد الأمل، فهل نتعظ وهل نفكر بمنطق وواقعية ووطنية وإنسانية؟!

هل وصلنا إلى ما كرّرناه بتواتر: لا يحكّ جلدك إلا ظفرك؟!

وهل من الممكن أن نكون واقعيين بالطروحات بدلاً من تضخيمها لتيئيس البلد والشعب؟

بمعنى حجم المتضررين الكبير يضخم تكاليف الإنشاء والترميم، فهل نستثمر آنياً مئات الأبنية التي هي في طور التوزيع أو البيوت الفارغة.

الكل للكل.

ما لوحظ في الزلزال أن الأبنية التي كانت من مخرجات القطاع العام والتي بُني بعضها منذ أربعة عقود لم تهتز، بينما أغلب الأبنية الجديدة والضواحي الطرفية أصبحت بالأرض، وهو كذلك يوضح سبب دفاعنا عن القطاع العام ومنه الإنشائي مع تشاركية عادلة.

المهم تضافر الجهود وتكاملها وعدم التفرد وجعل مآسي الناس أداة صراع وترقيع وتلميع.

كل الشعب السوري أبدى تعاطفه واستعداده، فهل من مجيب ومشغل؟

الأمل يكبر وبحاجة إلى عمل مستمر فعال واقعي منطقي قانوني وطني جامع..

فهل نستمر بالنصر المبين ونحوّله إلى حل وطني رصين؟!

بالانتظار ولن يطول.

 

العدد 1112 - 26/6/2024