النوم بالعسل وتقليل الأمل

الدكتور سنان علي ديب:

خلال الحرب وقسوتها ووحشيتها من أدوات فاقدة لكل شيء ولا تعرف الإنسانية ولا حقوق الإنسان ولا الديمقراطية، عانى أغلب شعبنا ظروفاً قلما يتحملها ويتجاوزها شعب، معاناة جعلت الأغلبية الساحقة فاقدة للأمن الغذائي وللصحي والنفسي، ولكن قلة من يعبر عن هذه المعاناة لأسباب مختلفة خجلاً، خوفاً، وجلاً، ولكن عدم التعبير لا يعني أننا غارقون ببحر من العسل محققين كل ظروف الحياة الهنية ونحصل على كل الحقوق، وأن الظرف يمر على الجميع بالسوية نفسها، وأن العدالة متجسدة والمواطنة هي المعيار.

وللأسف هذه الأجواء يستغلها البعض ممن يتغنون بالعسل للوصول إلى مآرب وغايات أبعد ما تكون عن الوطن وحمايته وتحصينه..

وهؤلاء يمررون مخططاتهم بتمرير قرارات منقوصة الرأي والرؤية، وتبقى يتيمة من دون متابعة وتصويب وتصحيح الانحرافات.

ولكن سوادية نتائجهم تتطلب المزيد من القراءة بمجهر شامل والإسراع بتقويض آثار ما مرر وعلاج ما يمكن علاجه..

النوم بالعسل يخفف الهمم ويزيد المعاناة.. ما دعانا للعودة ليس ظروفاً تمنع أو تسمح وليس الرقيب وما يريد..

في الفترة القليلة الماضية كانت الأجواء توحي عبر سيرورة طويلة وعبر تمرير قرارات بأسلوب الصدمة أن الواجب رؤية ما يمرر وإعطاؤه الفترة الزمنية لإثبات صوابية أو خطأ مسيرة رؤية كان ثمنها غالٍ جداً: دماء ودمار وخسارة أهم الثروات البشر، وليس هناك حاجة لنسف المزيد..

القبيح بالقصص أن لكل تمرير كان منابر إعلامية تضليلية أو افتعال ازمات لقبول الأغلبية بأي حل وتراكم ثلجي لنتائج الحلول تضخم وتضخيم، خلق فجوات مرعبة بين القدرة الشرائية ومتطلبات الحياة بملامسة خط الفقر..

ورغم ما نراه حتمية وضرورة للسير ببعض الخطوات ومنها شبه السير بتعويم العملة عبر سعر قريب من السوداء وسط إيجابيات وسلبيات قد تأخذ وقتاً، ولكن نعود لرؤية القرارات تؤخذ من جهة واحدة، قرار يجب أن يمر ولكن تأثيره وانعكاسه وخاصة التضخمية، واللافت أنه سبق بتحرير الأسعار وتخفيف الرقابة عليها ومن دون خطوات حقيقية لكسر الاحتكار وتحكم المحتكرين بالسعر لأغلب المواد.

ورغم القرارات الجيدة التي سلطنا الضوء عليها ومنها السماح بتعدد وحرية تمويل المستوردات سواء من الداخل أو الخارج، طبعاً ليست حرية مطلقة، وكذلك زيادة المسموح به من كتلة نقدية وغيرها من السماح والمنع للمستوردات، وإذا أضيف التلميح بعودة علاقات تفتح أفقاً جديداً.

كل هذا يلمح لحلول قريبة سريعة، ولكنها لا تأتي من دون عمل وعمل وطني جامع مع رؤية وطنية يسخر الكل جهده لتحقيقها..

بعد زمن لن ينسى الشعب معاناته وكيف عمل المكلفون لتقويضها، ووقتئذٍ سيكون الحكم على رؤية البعض وفرضهم لنسق من القرارات ورغم ذلك فالواقع يشير إلى توافر الموارد والإمكانات رغم محدوديتها، ولكنها لم تستغل بالشكل الأمثل ولم يكن الأمن بكل أشكاله هو البوصلة وخاصة الأمن الإنساني.

النوم بالعسل لم ولن يخدمنا لاحقاً، وخاصة مهما سهل الخارج الحلول.

فتجسيدها وتمريرها بحاجة إلى جهود كل الشعب وبتلاحم كامل مع عودة الألفة والمحبة والثقة المفقودة بشكل شبه تام بعد كتلة المعاناة والنتائج غير المأمولة لأغلب القرارات..

كثيراً ما ذكرنا في الندوات واللقاءات والمقالات: الانعكاسات الاجتماعية أصعب وأشمل من غيرها، وتجاوزها بحاجة إلى برامج واضحة الرؤية ولتعاون الجميع مع عدم التأمل من المجتمع الدولي ليكون جسراً لتجاوزها.

فالأفعى وإن غيرت جلدها تبقى أفعى.

والأمل كبير ولكن حان وقت العمل الجاد والمثمر لقطع الطرق على المتربصين.

والنتائج تدل على ضرورة تغيير الأدوات لتغيير العقلية والرؤية والجهود.

فالتثمير الجمعي لكل ما سبق اقترب وبالعمل الجاد ستعود مسيرة الأمل والتأمل ويقطع الطريق على قوى كانت وما زالت ومستمرة في استغلال الظروف لفوضى تطفو عليها قاذوراتهم.

لا يعني الصمت وعدم النقد الرضا، ولكنها رؤى شخصية بحاجة وطنية في فترتها، مع العلم أن النقد مرآة جميلة لمن يملك أفكاراً وطنية وهي بوصلته.

 

العدد 1112 - 26/6/2024