الأسلحة المتنوعة الفتاكة

الدكتور سنان علي ديب:

على مدى التاريخ لم يمرّ العالم بسلام وأمان واستقرار وتفرُّغ لبناء تنموي غايته الإنسان ورفاهيته، وتعددت الأساليب والأدوات والأسلحة لضمان السيطرة وتفاضل القوة والتحكّم، وسُخّرت أغلب الاختراعات والبحوث لخدمة هذا الهدف، من الكيمياء إلى الفيزياء إلى الرياضيات إلى الإعلام إلى العسكرية، ولكنها تكرست وتكثفت لحيز واحد هو الإنسان وتفريغه وتتويهه، فاستقرار الإنسان وبناؤه عمودياً وأفقياً كفيل بتطوير المجتمع وضبطه، وتالياً تقويته وتطويره وصعوبة تطويعه، وتفشيل الفوضى المنظمة التي هي البداية والنهاية لغايتهم الإمبريالية مدّعية حقوق الإنسان وحريته وتحريره وهم أكثر من حاربه وشوّهه وتوّهه، فهم أسّ سياقهم من الفوضى ينبثق النظام وهم يسيطرون على أغلب العالم عبر منظومات متعاونة متكاملة تتجاوز الحدود الوطنية إلى العالمية، وعبر هذه المنظومات سيطروا وتحكموا وهيّؤوا وبنظرهم ضمنوا التفرّد والعربدة والسيطرة، وحصدوا كل نتائج الصراعات والحروب والفوضى، التي كانوا هم ومنظومتهم مؤسسين وداعمين ومراقبين لها، ولم تكن ما سميت العولمة إلا تطوراً متقدماً لمشروعهم التمهيدي التدميري وصولاً إلى الأمركة متعددة الجنسيات لقيادة عالمية بلا إنسانية وبلا استقرار ولا توازن، وإنما فوضى مسيطر عليها عبر أسلحة فتاكة بلا سلاح تقليدي، أهم جسر لهذا الوصول هو الغزو الثقافي المريح عبر تفريغ منظم للمجتمعات، محصلته تفريغ شبه عالمي، وكيف لا فبنظرهم بناء الأوطان عبر بناء الإنسان بناء متكاملاً أخلاقياً ومعرفياً وعلمياً، وبالتالي سلب العقول والكفاءات وتبذيرها وتهجيرها أدوات مهمة لتكون سلاحاً دائماً، وكذلك عرقلة بناء أي دولة وجعلها رهينة الفوضى أو عدم الاستقرار هي استثمار مُجدٍ ودائم، وكل مقاومة لهذه الرؤية ستواجه بأقسى الردود.

فكلّ دولة تتجاوز معدلات ومقاييس في البناء هي خطر ويجب ردعها، ومن هنا نصل إلى أس مواجهة ومقاومة الاستبداد والاستلاب والفوضى وهزيمة مسبقة لشياطين السيطرة العالمية وتفريغ تأثير أهم أسلحتهم عبر بناء الإنسان بكل اتجاهاته، المؤدي إلى مقاومة حقيقية ورادع مخيف، ويظل البناء طرفاً في معادلة طرفها الآخر يقوم على استثماره وتوظيفه بما يتناسب مع إمكاناته وبما تحتاجه التنمية الوطنية، وهذه المعادلة والبعد عن تنفيذها كانت من أهم الأسلحة الفتاكة التي سهّلت تحقيق غايات وأهداف قوى الاستكبار والاستبداد وما زالت جسرهم لتفردهم.

ويبقى الإنسان هو الأداة والغاية للتنمية بكل أنواعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية، وأس تقوية المجتمع يمر عبر تنشئته وتوظيفه واستثماره ومقاومة المشروع الإمبريالي المعولم الماكر بحسن بناءه والاعتناء به وتوطينه.

صحيح أن الامبريالية تجاوزت العالم بمسافات ولكن لولا احتواء الكثر واستثمارهم لم تصل إلى ما هي عليه ولم ولن تنجح بصنع الفوضى وإدارتها وعرقلة الحلول.

قطع الطريق على أسلحتهم الفتاكة يمر عبر تحصين البلدان بتحصين الإنسان.

 

العدد 1112 - 26/6/2024