الحصون الإنسانية المنيعة

الدكتور سنان علي ديب:

عبر الزمن ومن عمق تاريخ الحروب والصراعات والتآمرات، التي غايتها اقتصادية، من أجل السيطرة على الماء والكلأ، وصولاً إلى زماننا، ظلت الغاية الأهم هي السيطرة المطلقة وطي صفحات ماضية وإعلان النتائج بما هي في الواقع بعيداً عن الأمجاد والسيطرة الماضية، وهذا لن يتحقق إلا لمن يسيطر ويتحكم بمنابع الثروات الطاقية إضافة إلى التحكم بطرق نقلها وتوصيلها للبلدان الصناعية المنافسة قديماً وحديثاً.

ما نراه اليوم أعطانا إيضاحاً لما كان البعض يفكر به ويموه به ويجهز ويحصن نفسه لليوم الفصل الحاسم المحدد للغنائم، وما نجده اليوم يبرر الغايات القذرة والأساليب الأقذر منه عبر هندسة البلدان تحت مسميات ولو اختلفت ولكن غايتها واحدة: تكريس التهشيم والفوضى ونسف الأساسات القوية للبلدان، وخاصة التي تملك مزايا كثروات طاقية أو طرق مرور متميزة تخدم استراتيجية التفرد العالمي والحفاظ على أحادية القطب، وهو ما يوضح لنا منع الوحدة والاتحاد للفضاء الجغرافي وقطعه، وتحويل الإخوة إلى أعداء ومنع التعاون والتكامل لتكون سياساتهم القائمة على صنع الإرهاب بكل معانيه وتمريره وتبريره، ولذلك لجؤوا إلى إيديولوجية تفكيك بنيوي لبلدان حققت درجات متطورة في مختلف المجالات البنيوية، فكانت هذه البنى بوصلة القصف والقضم والتشويه وصولاً إلى طمس الروح الجماعية وتعويم الأنا الغرائزية الاستهلاكية وتعويم التعصب الأعمى والتقزيم لكل منظومات القيم والأخلاق والثقافات البناءة وطمس الهويات الوطنية وضرب الانسياق التاريخي البناء وتشويه أغلب البناء الفوقي.

وبعد ضرب هذه البنى يسهل السيطرة والاستلاب والنهب والاستبداد وعرقلة أي جهود ومحاولات للتعافي والعودة لجسر البناء التنموي، وبالتالي تفريغ منظم للأفراد والجماعات وبرمجة توابع أغلب بوصلتها تتقاطع مع ما ينسجم ويتماهي مع مشاريع المستبد الإرهابي العالمي.

ولكن ليست كل البلدان متماثلة وليست كل الشعوب تملك القابلية نفسها للابتلاع وللانبياع، وهو ما وجدناه عبر تحصينات منيعة أثبتتها منعكسات العقوبات والحصارات وتكالب الأحقاد في الحرب الأخيرة.

وعطالة كل أدوات الإرهاب العسكرية والبشرية والاقتصادية والإعلامية وفشل الربط العولمي في جر الروس إلى شبكة العنكبوت الواهنة المشربكة الموقعة كل منافس في تعقيداتها وشربكاتها.

وكانت التحصينات النابعة عن الاعتماد على الذات وعدم الانصياع، والابتلاء بأدوات عولمة اغتنت منها دول لا تملك من الاقتصاد الحقيقي إلا ما تنهبه وتبتزه وتسرقه وتسوقه.

وأغلب رفاهية بلدانها وشعوبها نتيجة هذه القرصنة وعبر اللعب بعملات ورقية مدعومة من قوة تفردها وعسكرتها وتحكمها بالمؤسسات العالمية التي أنشئت لعدالة عالمية، ولكنها للأسف بررت وشجعت وكرست الظلم والتوحش والاحتلال والعنصرية.

وهذه المعايير غير الإنسانية والمتوحشة جعلت أكثرية عالمية تتحفظ وتتمرد وتعبر عن رغبات كامنة للتحرر من عبودية متكرسة عبر مؤسسات دولية وعبر مافيات عالمية وعبر عولمة لا إنسانية، فعن أي حرية وديمقراطية ينظّرون وهم الأسياد الأقفاص والقيود، وبالتالي الاعتماد على الذات وعدم الانجرار وراء أجنداتهم والتعاطي مع خصوصية البلد هي أهم التحصينات، وكسر مشاريعهم التي لم ولن تنتهي. ومهما طغوا وخوفوا وضللوا تبقى مقومات المواجهة موجودة ومتوفرة ومتأصلة وتبقى المواجهة أرحم من الانجرار وأقوم وهي الطريق الصحيح للتحرير والتعافي والتحصين.. التحصين الذي قوامه الإنسان وتحقيق حاجاته ضمن أولويات والتصدي لمشاريع الامبريالية بما يحافظ على قوة انتمائه وتمسكه وثقته ويحافظ على ثوابته المنبثقة من ثوابت جمعية متوارثة محافظة متجددة..

للأسف المتغيرات اللاحقة للصراعات الدولية سترمي رياحها ونسائمها على العالم أجمع، وكيفية استقبالها والتعاطي معها كفيل بالإكثار من الفوائد وسرعة التعافي، والمنطق يقول إن الانبثاق الجمعي هو المفعل للعلاج والتصدي لخبايا لم تظهر بعد ولتحولات قد تكون غير محسوبة ولصراع بالوكالة قد يتحول كسر عظم.

تحصين الإنسان وتأمينه أهم أسس تحصين البلدان وكسر أنياب التوحش الرأسمالي الذي سينتقم ممن وقف وعرقل وحطم مشروعه أو شذبه حتى نكون واقعيين.

جزء جغرافي وبشري سيدفع ثمن التعالي الحضاري والتحصين القشري بسبب تبعية مطلقة ومازالت.

الانتصار على الانانية والغرائزية وعلى الدونية تتطلب إعادة التنشئة والبناء بالتوازي مع الاعتماد على نخب عضوية فاعلة حقيقية.. القادم صعب ولكن مفاتيحه متوافرة، وهي بحاجة إلى التعاطي الصحيح وعدم اليأس واستمرار الأمل، فهم لا يمكنهم ولن يتمكنوا من حرق الجذور والتي ستنمو بهمة وتكاتف الجميع وتحقيق الأمن الإنساني بأبعاده الحاجوية حاجة ومطلب ونتاج حتمي في ظل المعطيات الذاتية والعالمية والمهم العودة للاكتفاء الذاتي عبر برامج اقتصادية واضحة مجدولة تكون غايتها الأهم أمن الوطن والمواطن وفق أولويات تراعي مصالح المواطن والوطن ووفق معايير وقوننة تحقق أكبر إمكانية من العدالة الاجتماعية وفق حاجات ازموية ونهج مناسب وكذلك وفق حاجات موضوعية عالمية للتكيف مع تخندقات جديدة وفق نتائج الصراعات القائمة والاستفادة قدر المستطاع من القدرات للدول المتوافقة لدعم وسند بعضها من أجل الاستراتيجيات القادمة التي لابد من تهذيب السلوكيات العالمية عبر ضبط جديد للمؤسسات والتفكير خارج صندوق طلبات ووصفات التوحش الليبرالي الإمبريالي صحيح ما يحصل لن يضعف دولة العولمة الأمريكية، ولكنه سيجعلها تلتف وتغير سلوكها اتجاه دول معينة وفقاً لتوافقات عالمية هناك إجماع على تعالك القارة المتعجرفة العجوز والتي طالما تغنت بالفوقية والعجرفة ولكن الوقائع انعكاس لسيرورة البنى المختلفة.

الأمل موجود ومتوافر والنوايا الجيدة تحتمها الحاجات الواقعية بانتظار العمل الجاد الصحيح، المناسب لحاجاتنا والمحصن لداخلنا ودواخلنا ولمن نتماهى معهم في المسار القيمي والأخلاقي والحقوقي نفسه.

 

العدد 1112 - 26/6/2024