سعر الصرف مجدّداً

الدكتور سنان علي ديب:

ما زالت الأحداث في أوكرانيا وتوابعها وستبقى تتصدّر الشاشات والإعلام، والكلّ مشدود لسماع تفاصيلها ومعرفة انعكاساتها على نواحي الحياة وخاصة الاقتصادية، ومن ذلك ما وجدناه من ارتفاع أسعار الطاقة، الذي انعكس على مختلف مجالات الحياة ولو وفق دومينو غير مبرّر وفق غريزة جشعية لم تفرّق بين الاستغناء ومعناه ما بين دولة تحقّق الأمن بمفهومه العام ومنه السياسي والثقافي والاجتماعي، ودول هشّة نتيجة الأدوات الإرهابية الاقتصادية، والتي أهمها اللعب بسعر الصرف عبر مضاربات وهمية وفق منصات أغلبها تدار من خارج البلد المعني، بالتناغم والتماهي مع أدوات يسميها البعض أوليغارشية، وهي أدوات نتيجة العولمة الاقتصادية وما تبعها، وبالتالي بقي سعر الصرف أهم المقاصد للدول التي تستبيح تدمير الاقتصاد للدولة المعنية، وفقاً لتكريسات سابقة بأهميته، لأنه مؤشر استقرار وميزان اقتصادي، وبالتالي هذا المؤشر والمؤسسات الناظمة له تملك خصوصية، ولسياساتها وفق الأدوات المستخدمة أهمية كبرى في فرض الأمان الاقتصادي وما ينعكس عليه من أمان اجتماعي تحافظ وفقه الدولة على قوتها وتماسكها وكيانها، وبالتالي أغلب من يبتغون الأمن الوطني يراقبون ويتابعون ويدققون في أي قرار يمس السياسة النقدية والمالية وانعكاساته، والمسؤول التقني الواقعي المحنك يجب أن يتمتع بعين آنية، وبمرونة في اتخاذ القرارات واستثمار التوقيت المناسب.

طبعاً، هذا الخطاب يجب أن يكون لازماً ويلازم كل المتغيرات على المؤشرات ببلدنا في كل فترة الحرب القذرة، وفي الحرب الأخيرة في أوكرانيا كان الواجب استنفاراً كاملاً، وهيئة طوارئ وطنية لكل الاختصاصات وخاصة الاقتصادية، ووسط عقدها سعر الصرف.

لم يكن مفاجئاً الاجتماع الرئاسي الروسي مع حكومته بسرعة كبيرة ودقة متناهية، وأهم الغايات منه ومن حزم القرارات والتحفيزات الواسعة لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي هو الحفاظ على سعر صرف الروبل في مواجهة الدولار واليورو، ووفق مبدأ كان من الخطوط الحمراء في الإدارة العالمية: قبض ثمن الوقود بالروبل وبالعملات المحلية، وهو ما نادى به كثر من أول تباشير الحرب الكونية المقايضة بين دول التحالف الداعية لتعدّد الأقطاب والمواجهة للغطرسة الغربية عبر مؤسسات فقدت مصداقيتها وفق برامج تفرض بالقوة ووفق أساليب تدمر البلد المعني وتهشّم بناه وتدمر اقتصاده وتنشر الأمراض الاجتماعية، ونجحت هذه السياسة آنياً بالحفاظ على الروبل، وقبلها هددت الصين بالتعامل بعملتها اليوان كعملة تبادل، وهو ما أدى لتهديدات إرهابية من الإدارة المعولمة وأتباعها.

وبالتالي كانت السياسات النقدية والمالية حصناً غايته الحفاظ على قوة العملة المحلية لتماسك روسيا، وللاستمرار في حربها، التي ستكون لنتائجها متغيرات عالمية في طريقة إدارة العالم بشتى مجالاته ومنها الاقتصادية، وكذلك بمدى التأثير الجغرافي والحصص من الكعكة الاقتصادية العالمية، التي يتضح من تباشيرها، التي هي استمرار الانسياق وراء تبعية عمياء لقوى التوحش الرأسمالي: ضعف النسق الأوربي واستكمال تقزيمه وقد تصل الأمور إلى عودته جغرافيا لما قبل الاتحاد. هذه التباشير التي بان فجرها المظلم إبان خروج بريطانيا التي نراها فاعلة ومنفعلة في تقليم الأظافر الروسية ومتماهية مع الولايات المتحدة في تطويل حرب الوكالة الأوكرانية.

وسيبقى سعر الصرف عنواناً لتمرير الكثير من السياسات الهادفة لتلبية غرائزية الاغتناء وتبرير الجشع ولو على حساب البلدان الأم.

دومينو رفع الأسعار واحتكار المواد المتناغم مع تصريحات جوفاء ومع تبريرات لا تترافق بآليات لفرض الأسعار وفق متطلبات البلد في ظل ظروف آنية صعبة متعولمة من أخطر الأدوات المقوّضة لكل الإنجازات التي تكاملت باتحاد وطني بين الجيش والشعب.

في بلدان أخرى، نامت الجهات المسؤولة فيها عن فرض الأسعار ومراقبتها، طالبت القوى الوطنية الحية بتدخل الأمن الداخلي والجيش ما دام الوقت مفصلياً، والآخر الذي لم يترك أداة إرهاب وبمساندة أدوات تابعة معولمة الا واستخدمها.

الحفاظ الآني على الأمن الاجتماعي والاقتصادي نواة وجسر التعافي والحل الوطني الداخلي، وفي الظروف الاستثنائية القرارات استثنائية وبحاجة إلى عقول وأدوات إنقاذية استيعابية.

ركيزة قلب الطاولة هي الأسعار وسعر الصرف بالاتجاهين.

 

العدد 1112 - 26/6/2024