التأمل ببيروسترويكا عالمية

الدكتور سنان علي ديب:

من المؤكد أنه لم يكن عبثياً حجمُ الشماتة واليأس الذي رافق وتلا ما حصل بالاتحاد السوفيتي السابق، وكان ذلك نتيجة حتمية للحرب الشعواء المتعددة الاتجاهات التي سار بها المعسكر الغربي بقيادة الحلف الأنجلو سكسوني ضده، واستمر المسار بأشد ما كان بعد عنونة العالم بالقطبية الواحدة وصولاً إلى عولمة سلّعت الإنسان وسعت إلى محو ذاكرته وشوّهت الأفكار والتاريخ، وسلعت كل شيء، وجعلت الغرائز هي النمطية السائدة، وحاولت قلب المعايير وطمست المنظومات القيمية والأخلاقية عبر تصحّر عالمي، ناجم عن محاربة شرسة للإيديولوجيات البناءة القائمة على المحتوى الإنساني والعدالة الاجتماعية، وحاولت تشويه الأديان السماوية عبر صنع منظومات إرهابية ومتابعتها وتقويتها إعلامياً، وبالتالي نمطية جديدة هدفها وغايتها إشباع الغرائز، وسط إرهاب اقتصادي متنوع من تدمير أي بلد لم يقبل الالتزام بأجنداتها وتهشيم داخلها وتدمير تلقائي لتنميتها، وهو ما وجدناه في يوغسلافيا والعراق والسودان وسورية وأفغانستان، وتحويل أقزام لأقطاب ضمن الحيز الجغرافي المستهدف بما يحقق مصالحها ويقوض دولاً بحد ذاتها ويقوي نفوذها المعولم عبر الشركات متعدية الجنسية، وعبر شخصيات معولمة، وبالتالي اعتقدت المنظومة المتعولمة المتزعمة أنهم، بتقسيم الاتحاد السوفيتي، وبالسيطرة على المؤسسات العالمية، وبفرض الاجندات السياسية والثقافية والاقتصادية، وبالسيطرة على الإعلام وعلى وسائل التواصل وصلوا لنهاية التاريخ ونهاية أي حضارة إلا ما يبثونه ويلقنونه ويزوّرونه، ونكذب إن قلنا إن العالم لم يصل إلى قنوط ويأس وتسليم بأمر واقع وسط مشاهد إذعان من العالم واستسلام، وخاصة بعد الصمت والخيانة والغدر الذي رافق ما حصل على المنطقة وخاصة سورية التي كانت الساحة المحيرة والتحولات الكبرى، ومنها التدخل والوجود الروسي الذي كان من أسباب الحفاظ على الكيان وعودة الروح بالتعاون مع الجيش السوري والشعب الصامد الصبور، وكانت كأوكسجين منقذ لضحايا قطع عنهم الإرهاب التنفس، وحاول منع كل طريقة لوصوله عبر كل أنواع الإرهاب والترهيب وأشدها وآخرها الاقتصادي المتنوع، ومن أساسياته العقوبات والخنق والحصار بعد الاستنزاف والنهب والسرقة واستئجار فاقدي الضمير والانتماء. وكان الفشل الذريع المتزامن باستفزازات وافتعال حروب بالوكالة، وخلق فراغات لتملأ بقوى سوداء إرهابية وصولاً إلى الاستفزاز العلني لاستجرار القوى المناهضة لحرب إذعان أو استنزاف طويل الأمد.

وفي كل الأحوال، الربح وفق حساباتهم حليفهم ما دامت الساحات بعيدة عنهم وما دامت ستنتعش أسواق معاملهم وخاصة الأسلحة، وما دام سيستكين العنفوان واللحن الإنساني القادم، فكانت النتيجة تفرّد متركّز طويل الأمد.

ولكن الساحة وسيرورة الصراع قد خذلت تصوراتهم مع بزوغ فجر تتشوق وتسعى لنوره أغلب الإنسانية، فجر إنساني عالمي جديد يعيد للإنسانية بمعناها وبمرتكزاتها الاقتصادية والثقافية والروحية والاجتماعية ألقها ولو بحالة جنينية، وصولاً إلى تكريسها ضمن استمرارية الثنائية الوجودية صراع الأضداد الخير والشر، ولو أن منظار ومجهر البعض هي صراع مصالح بين الرأسمال والرأسمال المتوحش أوليغارشيا قادت البيروسترويكا.. واحتكارات متجسدة بشركات متعدية الجنسية شباكها تطفو فوق العالم لتبتلع اقتصاده وسط فرق طبقي شاسع بين عدة مئات يملكون أكثر من ثلث ثروات العالم والبقية تتباين بين الفقر المدقع والفقر، وبعض المرتزقات الداعمة لجشع وتوحش طبقة النهب والسلب والسرقة والقتل بمختلف الأدوات.

وبذلك فإن من ظن أن البيروسترويكا قد قزمت روسيا ودورها، وأن الأوليغارشية كانت اختزالاً لرأسمال مسيطر، وقد ثبت بعد جنون العقوبات وانتشارها الأفقي والعمودي، بتوسع سيطرة الأموال الروسية وبمختلف المجالات، ورغم الأوليغارشية كان هناك تنوع اقتصادي وأسس وثابت حكومية وقطاع عام، وخاصة في شركات الطاقة والتي طالتها العقوبات.

ما يهمنا هو التأمل الواسع والكبير لكل من يؤمن بالإنسانية وبأنها بوصلة الديانات السماوية والإيديولوجيات الداعمة ومن يؤمن بالعدالة وبناء عولمة حقيقية تكرس العدالة وتحمي الإنسان وتقوض التوحش وتحمي الطبيعة وتعرف القيم والاخلاق بأن تكون نتائج الصراع بيروسترويكا عالمية تصحح المؤسسات القائدة تقوض النزعة المتوحشة تعيد النور لعالم حالك السواد ولعقول أظلمت قسراً.

من المؤكد وبعيداً عن التفكير الضيق وفي ظل صراع الخير والشر، فإن مستقبل روسيا ومن يحالفها والإنسانية متوقف على نتائج الصراع ومدى اتساعه.

قد نجد صعوبات وضائقات مختلفة ومنها الاقتصادية ولكنها قصيرة المدى، في ظل انكسار القالب المتوحش وخاصة في ظل انكشاف عنصرية مدّعي الحضارة.

وأس التأسيس لقلب الموازين هو التعاون والتكامل البيني لقوى سلكت طريق المواجهة، وإن لم تستمر به حلت الظلمة والظلام.

 

العدد 1112 - 26/6/2024