التكيف المتجدد

الدكتور سنان علي ديب:

كأنّ قدرنا في سوريتنا العظيمة المباركة أن نُمتحن أو أن نكون تحت تأثير العواصف المتلاحقة وإن دل هذا على شيء فيعطي أهمية بلدنا من جميع النواحي وموقعها المهم بالنسبة للآخر مهما يكن هذا الآخر، فمن حرب لم تترك أداة من أدوات الإرهاب إلا استخدمته وما زالت، ولم يكن آخرها الخناق والحصار والعقوبات وقصف الأغذية في المرفأ، الذي تلا قصف مرفأ بيروت واليوم انكشفت الأسباب، كما كشفت الحرب الروسية الأوكرانية الأقنعة عن الكثير من المفاهيم والمصطلحات والسلوكيات الفاضحة لكل الادعاءات لانعكاسات معولمة لصراع صاخب كبير وقوي بدأت شرارته بمعركة لتحقيق الأمن الروسي، ونجد بيريسترويكا عالمية مختزنة في عمق عقول متأصلة متجذرة، ولكنها برعت بالتقية في ظل عاصفة ما بعد القطبية باتجاه العولمة والأمركة التي جعلت العالم قرية صغيرة مترابطة يتحكم بها بأزرار، وجعلت قابلية التطبع أسهل، بتشويه الأفكار والروحانيات وحرفها، وبقتل المنظومات القيمية والأخلاقية وتعميم الشذوذ وقوننته، ولكن يبدو أن زمن الصمت وابتلاع الريق قد ولّى، فقد فاجأني فيديو للرئيس الروسي يتكلم عن بقايا القيم والأخلاق وضرورة إعادة بناء المنظومة الأخلاقية، وهو ما يتقاطع مع كثير من خطاباتنا الرسمية خلال الحرب القذرة المبرمجة، وهذا الخطاب أعطى بوارق أمل في انتصار للإنسان والإنسانية.

ما يهمنا اليوم هو ما تسرب عن منظومة الأغذية العالمية حول تضخم وصعوبة تأمين قد يستمر سنة أو أكثر وارتفاع لحدود أربعين بالمئة، وهذا مؤكد بعد حرب الطاقة وما سينعكس وخاصة في حال عاقبت أوربا نفسها، ووقعت بالفخ الأمريكي الذي ينصب لها، وهنا بيت القصيد في سنوات عدة قاسية صعبة قادمة، وأساس تجاوزها هي الشهور القادمة بآلية تأمين الأمن الغذائي ضمن الضروريات وبالاعتماد أكثر ما يمكن على الذات، وهذا ليس صعباً أو إعجازاً، ونحن من تجاوزنا الثمانينات والعقوبات والحصار وبظروف أقسى وأصعب ومن بعدها أقمنا البنية التحتية من سدود وأقنية ريّ وأمّنّا البذور والأسمدة ومستلزمات الإنتاج وهو ما أوصلنا إلى تحقيق الأمن الغذائي وفوائض للتصنيع والتصدير، ومنها معجزة القمح ووصول الإنتاج إلى حدود ٤.٥ ملايين طن مع مخزون استراتيجي، وغيره من المحاصيل القطن والشوندر السكري والتبغ والخضار والفواكه وهو ما قوى مواقفنا ونشط طاقاتنا البشرية وقلل الاعتماد على الآخرين، وكل ذلك ضمن رؤية صحيحة ومتابعة وتذليل للصعاب والإنفاق المجدي وسط دعم حكومي متنوع واستصلاح أراضٍ متوسع وكان المراد.

وهذا ما أزعج الإمبريالية وأدواتها المختلفة، فسعت لتدمير الطاقات الإنتاجية وصولاً إلى محاولة تلويث الهواء وتوزيع بذور فاسدة في الاراضي المحتلة وتلويث التربة وسرقة المحاصيل وحرقها وقطع الأشجار وما زالوا.

ولكن اليوم في الظروف المستجدة التركيز على هذا المجال والسعي نحو تسخير كل الطاقات والإمكانيات اتجاهه أصبح هو الأهم والأكثر جدوى وصوابية في ظل معركة الغذاء والبقاء، وبالتالي فالأهم في ظروف كهذه هو الاحتواء والتركيز والمرونة، والهدف النهائي تأمين أكثر كمية ممكنة من الغذاء وسط أولويات وضروريات وتعاون الجميع وتشاركهم، وتغيير بالعقلية أو المسير الماضي لمصطلحات لا وقت لها.

دعم الحكومة للوصول إلى هدف الأمن الغذائي ضرورة وحتمي في ظل التخبط الدولي، وفي ظل ما ينتظر من انعكاسات، وهذا الدعم لا يقتصر على مرحلة أو جزئية في العملية الإنتاجية التي هي الزراعة هنا والمترافقة بالثروات الحيوانية ومنتجاتها، بمعنى العودة للدعم السابق من المعلومة إلى تأمين البذار والعدد والأدوات والأموال للتسويق وتقديم التسهيلات ما أمكن.

و بالتالي أهم القطاعات الداعمة والمرسخة لتأمين الغذاء والتكيف والإحاطة بالمنعكسات هو القطاع الزراعي ومحاولة استثمار كل الطاقات وفق رؤى وبرامج واضحة.

وسط توفر كل وسائل النجاح والوصول إلى مبتغانا من خبرات ويد عاملة وبنى تحتية، ولكن يجب اقترانها بالنوايا والإرادة والعمل.

تحصين الإنسان وتقويته أساس لتجاوز الصعاب المنبثقة عن صراع تاريخي قد ينبثق منه فجر إنساني جديد..

وبالمحصلة التموضعات والتخندقات العالمية الجديدة ستجلب مؤكداً انعكاسات إيجابية، والتعاون بين ركائز التموضعات ضروري لكسب المزيد ولتحصين المكاسب وفرض الرؤى والوصول إلى غايات منوط بتجاوز الشهور القادمة.

التصالح مع الذات ومع الوطن ضرورة.

و الانطلاق من قاعدة الواقعية والإمكانيات ضرورة الانطلاق ولا وقت للتنظيرات وللرفاهيات الفكرية والإيديولوجية.

 

العدد 1112 - 26/6/2024