التغييرات المنشودة ما بين الإصلاح والتطوير

الدكتور سنان علي ديب:

كان لإنشاء وزارة التنمية الإدارية أهداف وغايات جمة تنطلق من الواقعين المحلي البنيوي والإقليمي والعالمي، ولا يعني ذلك سوءاً كاملاً أو فشلاً ذريعاً، ولكن لكل وقت خصوصية ولكل خاصية أدوات مختلفة، وعبر التسلسل الزمني لإنشاء هذه الوزارة لم نلحظ أو لم نلمس جهوداً وأعمالاً نجم عنها الغايات المنوطة بها، والتي من أهمها الإصلاح الإداري البناء المحيط بالهدر والفساد وصولاً إلى الحالة الصفرية له. ولكن خلال الحرب القذرة والتعاطي اليومي حصل العكس: انتشار أفقي وعمودي للفساد بشكل علني وقح، ولم تقلّصه التغيرات التي طالت بعض الهياكل التنظيمية توسيعاً أو تقليصاً، وكأن الواضع والمؤلف لهذه التغيرات يسير بأهداف غير الحاجوية لواقعنا، فكلّنا أقرّ واعترف بخلل في التعيينات انعكس على الأداء بمنظومته المتكاملة، من القيام بالعمل إلى مراقبته، إلى متابعته ومحاسبة القائمين عليه، وكل الشروط المنوطة للوظائف العليا تدور في فلك المنظومة وعرقلة التغيير أو التطوير والتحديث، وكذلك صرف الوقت في أمور هامة، ولكن هناك أهم منها حسب متطلبات الواقع والأولويات الأزموية، والتي تعد أهم وأكثر حاجوية في وقت السلم والتنمية الهادئة وسط ظروف الضغوط المختلفة وخاصة العقوبات والحصارات والاحتلالات. فمن خلال المتابعة وجدنا طوابير يومية بسبب مركزية المسابقات التي عبرت كثير من المؤسسات والشركات بأنها لم تستوفِ الحاجات الضرورية، وذلك رغم الاعتماد على المسابقة لتثبيت عشرات الآلاف من العمالة المؤقتة التي تبلغ عدداً بعدد ما أعلنت عنه المسابقة. ومع أن  الفكرة جيدة حتى تكون الحاجات صحيحة وحقيقية وتحل مشكلة البطالة المقنعة التي كانت مرضاً أصاب أغلب القطاع العام رغم أنه من خلال ظروف الحرب وضعف الأجور حصلت هجرة للكفاءات ونقص لاختصاصات كثيرة، إذاً الغاية تأمين الحاجة الضرورية فقط، وكذلك حسب ما وضح من قرار منع توظيف أقارب من الدرجة الثانية لأي مدير بالسوية العليا، ومع جمالية الغاية وهي منع الواسطة والفساد، ولكن حسب رؤيتنا لا تحلّ لأنه غالباً الدفع المالي هو جسر العبور للوظيفة والمحسوبية الأبعد من القرابة، وحتى ضمن هذا السياق يتبادل المسؤولون أقاربهم لو أرادوا.

ما يلفت النظر قصر نظر الحلول ولو أنه ببعض الترتيبات وفق الظروف الحالية يمكن القيام بالوظيفة وفق الحاجات الضرورية ووفق أقل ما يمكن من الفساد والمحسوبية ضمن شروط لجان محايدة ووسط تقنيات محددة، إذاً ما نجده لا يشكل أساساً متيناً للسير نحو الإصلاح الإداري المطلوب، والذي ملأ موضوعه الإعلام من قبل الحرب القذرة، فهذا الإصلاح يجب أن  يغير العملية الإدارية ويحدّثها ويطورها من التعيين إلى المتابعة إلى الرقابة بأنواع متعددة إلى المحاسبة، والنتائج تحسب بانعكاسات الأعمال على سير وسيرورة العملية التنموية بكل أشكالها. ودوماً كنا نقول وحسب التجارب العالمية أساس قوة أي بلد هو حيوية منظومتي القضاء والتعليم وصحتهما وجودتهما.

فالبناء التنموي متكامل وبحاجة إلى جهود الجميع ولا تخفى أهمية القوانين والتشريعات في تشبيك العلاقات المؤسسة للعقد الاجتماعي.

إذاً، الإصلاح الإداري والتنمية الإدارية حاجة وضرورة وحتمية تنطلق من ثغرات ومتطلبات الواقع، وعلى نتائج عملها تتحقق الكثير من الإنجازات والوفورات المادية والمالية.

وكثير من الإجراءات والقرارات نجدها تحوي خللاً أو لا تناسب المتطلبات الأزموية.

ويبقى السؤال: هل هناك إمكانية لتكون التنمية الإدارية والإصلاح الإداري حجر الزاوية للعودة والتعافي وللحل السوري السوري، وذلك ضمن رؤية واضحة ومتوافق عليها وعمل دؤوب جامع يستثمر الطاقات بكفاءة أعلى وفساد أقل.

العدد 1112 - 26/6/2024