الحيوانات الأليفة تؤنس الروح في مجتمع يُدفَع باتجاه التوحش

محمد نذير جبر:

عندما وصلني ملف صفحة (شباب ومجتمع) الذي يتمحور حول تربية الحيوانات الأليفة، سرعان ما خطر ببالي أن الأجدى هو الحديث عن (حيونة الإنسان العربي) بمعنى تحويله إلى كائن دوني، عبر سلبه ما تبقى من حقوقه التي تصون وتكرّس إنسانيته.

الحيوانات الأليفة الأكثر تربية من قبل العرب هي الطيور والقطط، وتعتبر كائنات ذات (شخصية مستقلة)، ومن جهة أخرى هناك الكلاب التي تعتبر كائنات (تابعة) أو مفرطة في التعلّق بأصحابها، ولخيارك فيما تربي دلالات حول شخصيتك إلى حدٍّ ما.

ولسنا بصدد الحديث عن هذا بل سننتقل إلى الحديث عن سورية تحديداً، فقد ازدادت أعداد الحيوانات الأليفة في الأحياء الراقية بشكل ملحوظ، خاصة الكلاب بأنواعها المختلفة وصغيرة الحجم تحديداً، في الوقت الذي تزداد فيه في بقية الأحياء السورية ظاهرة الطفولة المشرّدة والعائلات المشرّدة بسبب غلاء إيجارات البيوت، ممّا يجعلنا أمام سؤال: هل هذا ذنب وسائل الإعلام التي تستضيف ما يسمّى بالمحللين السياسيين الذين (صرعونا) بـما يسمّى (البيئات الحاضنة للإرهاب) حتى آثر الأثرياء اقتناء وإيواء الحيوانات على الأطفال والأمهات المشرّدات على اعتبار أنهم بقايا بيئات حاضنة للإرهاب؟!! أم أن الأمر ليس كما يبدو، إذ يمكن أن يكون الثري من المُحسنين وفي الوقت ذاته يربي حيواناً أليفاً.

وبرأيي الخاص الفقراء أحوج إلى تربية الحيوانات الأليفة، ذلك أنهم يعيشون الصراعات والضغوط النفسية التي يفرزها الفقر بمختلف أنواعها، لذلك يحتاجون إلى الأنس والمودة والرفقة الطيبة الحنونة التي توفّرها الحيوانات الأليفة في مجتمع يزداد لؤماً وعدوانية وفساداً وتنافراً، بعد أن أحكمت حيتان الفساد قبضتها، فقامت بالمضاربات واحتكرت ونهبت المواطنين بالتوازي مع (قانون قيصر) فبتنا نرى عند أفران الخبز المشاجرات التي لا تقف عند حدٍّ بعينه، فوصلت إلى ضرب النساء، وتبادل أقذع أنواع الشتائم، بينما (الفرّانون) يبيعون جهاراً نهاراً الخبز للقطاع الخاص في مناطق مجاورة ويغلقون نوافذهم باكراً في وجه الناس. ولا مجال للحديث عن التدافع والصراع عند أبواب الحافلات ومؤسسات التموين ودوائر الهجرة والجوازات، وعن اللؤم المقترن بالفساد، حيث يجبرك الفاسدون في عديدٍ من مؤسسات الدولة أن تشتري كرامتك بالمال، إمّا هذا أو تُعامل وكأنك شحاذ ويتمّ إهمالك لصالح الراشين!! لذا يحتاج المواطنون الفقراء عند العودة إلى بيوتهم بعد نهارٍ شاق، إلى عيون تتطلع إليهم بالمودة الفيّاضة لكائناتٍ لطيفة كالقطط والكلاب تفرك أجسادها بهم وتعطيهم إحساساً بأن لهم حضوراً وأهمية، فتنسيهم ما يتعرضون له من ذل التهميش، وتُرمّم ما تهشم في وجدانهم.

كثيرٌ من الأوربيين يحجمون عن الإنجاب طواعية ً لذلك هي القارة العجوز، وكثيرٌ منّا قد يحجم عن الإنجاب رأفة بإقحام روح بريئة في مجتمعاتنا العربية التي سحقها طامعو الخارج والداخل، لذا قد تفيدنا الحيوانات الأليفة كبديل، كما يأنس بها المسنون والعُجّز في أوروبا!!

أنا لا أقترح أن نربي الحيوانات الأليفة، فلسنا نمتلك المال الكافي لهذا، لكنني أقترح أن نصاحبها ونرافقها، وكم وكم شاهدت من قطط وكلاب ترافق الأطفال المشردين وتنام معهم وتبحث معهم في القمامة عن لقمة عيش!! إن الدول العربية بعد (الجحيم العربي) أضحت ما وراء دول العالم الثالث، بعد أن انتصرت عليها قوى الفساد من جهة والمستعمرون من جهة أخرى ولم يبقَ لقياداتها في ظلّ انحسار حضور القانون الفعلي، سوى الألقاب الفضفاضة، وبينما يحذرون عبر مايكروفوناتهم اللامعة من (لبننة وعرقنة) لدولهم، تقوم الطبقة المتنفذة الفاسدة بـ(أفرقة) كل دولة من تلك الدول!! وذلك هو الأخطر لو كانوا يعلمون.

وفي الختام لا بدَّ من الإشارة أن الدواجن والحيوانات الأليفة عموماً تعيش متقاربة عادة، وكوننا نحن العرب أضحينا (دواجن بشرية) يذبحنا ويسلخنا ويحلبنا وينتفنا وينهشنا أشرار الأرض من حثالات بلداننا ومن حثالات الخارج، فمن الطبيعي أن نرافق بقية الدواجن والحيوانات في عيشنا.

العدد 993 - 19/01/2022