يا قاتل يا مقتول!

محمود هلال:

يقول دوستويفسكي: (لست أدري أنحن نقتل أيامنا، أم أيامنا تقتلنا لكن في كلا الحالتين هناك جريمة قتل).

نعم، يعيش المواطن السوري في هذه الأيام وفق هذه المقولة إلى حد كبير، إذ أصبحت أيامه تقتله من كثرة الهموم والمصاعب التي يعيشها كل يوم، فأخذ يحاول قتل الأيام بدلاً من أن تقتله، لكن النتيجة واحدة هي جريمة قتل فعلاً.

إذ يسعى المواطن أن يقتل نهاره من أوله، ليتخلص من متطلبات اليوم وما يتعلق من نفقات على الطعام والشراب وغيرها من الأمور الحياتية والأساسية، التي باتت تشكل له كابوساً يومياً، ويستيقظ في اليوم التالي على الروتين نفسه ويعيد الأسطوانة ذاتها. تلك الأمور أرهقت المواطن هذه الأيام، إذ كانت من الأمور السهلة والتي لا تأخذ حيزاً كبيراً في حياته، وكان عنده الوقت الكافي ليتفرغ لقضايا وهموم أكبر من تأمين ربطة الخبز إلى الحصول على أسطوانة غاز أو برميل مازوت يقيه برد الشتاء. أصبح اليوم يعيش ضمن مجموعة من الثنائيات المختلفة التي يصعب حصرها.

يعيش الإنسان متوالية من الثنائيات منذ صرخته الأولى في هذه الدنيا، حتى صرخته الأخيرة، أي عندما يعضّ على لسانه ويموت. وتترافق ثنائية الحياة والموت هذه بالعديد من الثنائيات التي إما أن تكون على نحو مرادفات متوافقة، أو تأخذ منحى متضادات متعاكسة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، تبدأ حياة الإنسان في المرحلة الأولى بثنائية الرعاية والحضانة من الأهل، وغالباً ما يتخللها ثنائيات متناقضة من اهتمام ودلال للأطفال الصغار، وإهمال ونسيان للكبار، وحب زائد، وتشديد وتضييق على الفتيات في بعض المجتمعات.

وكثيراً ما تخلق هذه المسائل الغيرة والحسد بين الأطفال أنفسهم دون دراية ولا قصد من الأهل، ويصنعون منهم ثنائية (الإخوة الأعداء).

يكبر الأولاد وتكبر همومهم معهم، ويدخلون في ثنائية العلم والعمل، وهنا يدخل في هذا الإطار ثنائية المرأة والرجل في كلا الميدانين. وكم من الظلم والإجحاف لحق بالمرأة بهذا الخصوص، إذ كان المجتمع ينظر إليها نظرة دونية (ضلع قاصر) سواء في ميدان العلم أو في ميدان العمل، وكأنها خلقت لتكون زوجة وربة منزل فقط، وتقتصر وظيفتها على إنجاب الأطفال وتلبية رغبات الزوج. لقد تغيرت الصورة الآن رغم بعض العوائق والتحديات التي ماتزال تعترض حياة المرأة في المجتمع، إلا أن منظومة القيم التي أرستها معطيات العصر أثبتت أن المرأة عنصر فاعل في المجتمع وفي جميع نواحي الحياة. نعم، هي قادرة أن تتعلم وتعمل وتبني، وأن تكون رائدة في كل المجالات.

يواجه الإنسان العديد من الثنائيات الإشكالية والمعقدة، كالعمالة والبطالة، التي تسير وفق خطوط بيانية متعاكسة: ازدياد أعداد العاطلين عن العمل وتناقص فرص العمل، وذلك في القطاعين العام والخاص، وتتعقد هذه الثنائية الاقتصادية أكثر فأكثر، فهناك جهة وفق توجهاتها، تحاول التخلص من القطاع العام وعماله، والتخلي عن حقوقهم ومكتسباتهم، وذلك من خلال بيعه أو تأجيره، فكيف يمكن أن تخلق فرص عمل جديدة فيه؟ وهي تضع كل التسهيلات أمام القطاع الخاص الذي يضع شروطه القاسية والمجحفة على طالب العمل، فيفرض عليه أن يوقّع على صك استقالته قبل شروعه في العمل، ليرميه ساعة يشاء على قارعة الطريق! ولا شك أن هذا الوضع سيعمق الهوة بين ثنائية الغنى والفقر، التي تولد ظاهرات جديدة تفتك بالمجتمع مثل التسول والسرقة والجريمة والنصب والاحتيال وغيرها، فضلاً عن الاختلالات المجتمعية متمثلة بثنائية الزواج والطلاق، إذ تنخفض نسب الزواج وترتفع نسب الطلاق، إضافة إلى الكثير من المشكلات الاجتماعية والأخلاقية التي تصيب المجتمع.

تبقى ثنائية الحرب والسلم، وهي الثنائية الأصعب التي يواجهها السوريون هذه الأيام بعد أكثر من 10 سنوات حرب على سورية، وقد ولدت هذه الحرب ثنائيات جديدة من الحصار والانتقام، التجويع والتركيع، حصار جائر وعقوبات اقتصادية ظالمة هدفها إسقاط الدولة السورية اقتصادياً، وهي المرحلة الثانية من الحرب كما يسميها البعض.

لقد طال الحصار غالبية قطاعات الحياة والاقتصاد في سورية، ويبقى المواطن السوري هو المتضرر الأكبر من هذا الحصار، وينظر بفارغ الصبر إلى حلول ثنائية السلم والأمان عوضاً عن ثنائية يا قاتل يا مقتول التي بات يعيشها كل يوم.

 

العدد 987 - 30/11/2021