ذكريات عن مدينتي أحتفظ بها في ذاكرتي

وعد حسون نصر:

 هي دمشق، جُلّق، شام شريف. هي عاصمة الياسمين، هي القلعة الشامخة وأقدم عاصمة مأهولة دون انقطاع في العالم، لمع اسمها كعاصمة للدولة الأموية التي تركت معالم أبرزها المسجد الأموي. اشتهرت دمشق منذ القدم كمدينة تجارية تقصدها القوافل من فارس وآسيا ومصر وشبه الجزيرة العربية، وهو الأمر الذي ساعد في تحوّلها إلى مركز ثقافي وسياسي وخاصة أيام الدولة الأموية، كما عُرفت بألقاب عدة أشهرها: الشام والفيحاء. في عام 2010 اعتُبرت دمشق واحدة من أفضل المقاصد السياحية في العالم، إلاّ أن الأزمة السورية المندلعة منذ عام 2011 تركت آثاراً خطيرة على المدينة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكنها تبقى في ذاكرتي مدينتي الغافية وسط غوطتها، يسندها قاسيون وتطرح ربوتها نسائم حب تلفح وجوه ساكنيها، هي مدينتي التي ولِدَتْ فيها الحضارة مع ولادة أول إنسان، هي رائحة البوكونيا، عبق الزيزفون وطعم السكر في لفافة الكبّاد ورائحة النارنج الحالم عند الظهيرة، هي عطر المنثور والحبق، هي جمال الجوري على أرصفتها، هي الشام المُشَرِّعَة سبعة أبواب للضيوف، من باب توما إلى باب السلام، ومن باب شرقي إلى باب الجابية وباب سريجة، من الباب الصغير إلى باب مصلى، أبواب سبعة تفتح للشمس مصراعيها كل صباح وتغلق عند المساء لتنام خلفها حكايات أهل الشام على وسائد الأمان تحت سمائها المرصعة بالنجوم. لم يبخل ناسها في كتابة بطولاتهم على جدران قلعتها الشامخة، ولم ينسَ كتّابها أن يدونوا لنا الحب في القصص والروايات، ومن قصائد شعرائها غنيّنا الحب في السهرات، وكم هتفنا في أفراحها الأهازيج عن النصر والفتوحات، فهي الأموي بمئذنته تصدح الله أكبر بخمس صلوات، وفي العيد الحصّة الأكبر للابتهالات، هي كنيسة الزيتون تقرع أجراسها.. المسيح قام حقاً قام.. هي مقام الخضر ونجمة تعانق الهلال مثلما تعانق الصليب. من شوارعها أطلقنا الحب والسلام للعالم أجمع، ومن أسواقها وزّعنا العطور لزوارها، من عطارتها فاحت روائح البهارات والتوابل، وألبسنا العرائس أفخر الأقمشة كالبروكار وزيّناهنّ بسلاسل من ذهب، وفي خاناتها نام من أراد المقام واستراح المقاتل وطرب السائح، من مكاتبها نشرنا التاريخ بروايات وملاحم وقصائد، نعم هذا الوصف لا يليق إلاّ بالشام شريف، ومن قال إننا نسينا غوطتها الخضراء وأشجار المشمش والكرز ودالية العنب تتوسط فسحة الدار، من قال إننا لا نذكر بردى ويغيب عنا أن نلقي عليه السلام، من قال لكم يا سادة إننا مررنا بالشام ولم نجلس في ربوتها نترنم الحب على أوتار العود ودقّة الدف، وكيف لنا أن نغادرها قبل أن نقف على قاسيون ملوحين للعالم بمناديل بيضاء طيّرناها مع أسراب الحمام.

هل مررت بالشام يوماً وبخلت عليك بماء سبيلها، هل مررت دون أن تتذوّق البوظة الدمشقية من بكداش، هل تناسى أهل الشام أن يقولوا لك (تشكل آسي.. وتئبرني!) لا أظن أنهم فعلوها لأنها كلماتهم المشهورة. اعذروني لعلني أسهبت الوصف في الشام، لكن، كيف لا أصفها وهي مني ومنها أنا وفي كل حارة من حاراتها لنا قصة، وفي كل زاوية أشعلنا شمعة لله نناجيه أن يحميها، على أرصفتها جلس العشّاق يهمسون، في حدائقها فرشنا الزاد بأشكال وألوان كثيرة، لم نبخل على أحد من المارة بالخبز والملح، فهي عادات أهل الشام أهل الكرم، والعنوان شارع الميدان.

نعم، لم ينتهِ الكلام بعد عن دمشق، فهناك الكثير المخبأ في الصفحات نتركه زاداً للعالم كلما جاع واحتاج لتناول وجبة من الجمال، نقدّم طبقاً شهيّاً على أغلفة الصحف نصف فيه معلماً جديداً من معالم الشام كي نُشبع العالم من جمال بلادنا، فمن زار الشام وشبع من معالمها لم يشعر بالجوع يوماً للجمال.

العدد 977 - 22/09/2021