امرأة من تاريخ بلادي

ريم داود:

 يعجُّ تاريخنا السوري بالشخصيات العريقة التي كان لها صيتها وثقلها على مرِّ العصور، فقد ساهمت هذه الشخصيات بتأسيس وتكوين حضارة سامية لا يزال التاريخ يشهد أثرها حتى الآن، والجدير بالذكر أنه كان للمرأة نصيب وفير في صنع هذا التاريخ وتدوين هذه الحضارة، وكان للمرأة أهمية كبيرة ودور مشابه لدور الرجل، بل لا يقلُّ أهمية عن دوره، إذ تبوأت المرأة مراكز ومراتب هامة، حتى إنها شغلت مرتبة كاهنة في المعابد، كما شاركت الرجل كتفاً لكتف في أعمال الحكم والسياسة.

ولا يسعنا بعد كل هذا إلاّ أن نُسلّط الضوء على شخصية مرموقة كان لها دور فعّال ومفصلي في تدوين وخط الحضارة السورية، إنها الملكة زنوبيا أو كما تُعرف بملكة تدمر، إحدى أشهر الملكات العربيات التي حكمت منطقة تدمر التي كانت تابعة لحكم الرومان في تلك الحقبة، بعد أن وصلت إلى تدمر نتيجة الحروب التي دارت بين الرومان والفرس في ذلك العصر. وبعد انتصار الرومان على الفرس ودحرهم خارج أسوار المدينة، وكمكافأة للزعيم (سبنميوس) نصّبه الرومان ملكاً على منطقة تدمر التي بلغت أوج ازدهارها ورونقها في عهده، إلاّ أنه قتل على يد ابن أخيه، فتولى ابنه الحكم بدلاً عنه، ونظراً لصغر سنه تسلّمت زنوبيا زمام الحكم كوصيّة على ابنها، فحكمت تدمر من عام ٢٦٧ حتى عام ٢٧٢ م.

لقد كان لتدمر أهمية كبيرة لموقعها الذي جعل منها معبراً للقوافل التجارية، فأصبحت مدينة استراتيجية دفعت الكتّاب للحديث عنها، إذ جاء ذكر تدمر لأول مرة في النصوص الآشورية القديمة.

-سمات زنوبيا: اتصفت زنوبيا بسمات عالية من حيث التربية وشدّة الحزم والطموح، كما اتسمت بالهمّة العالية والتواضع، فقد أنها كانت تقطع مسافات شاسعة مع جنودها، وتجالس قادة جيشها لتناقش معهم في أمور الحرب، فكانت مثال التواضع. كما اتصفت تلك الملكة بثقافتها العالية، فكانت تجيد اللغة اليونانية واللاتينية والآرامية والقبطية، إضافة إلى اطلاعها الواسع ومعرفتها العميقة بتاريخ الشرق والغرب، حتى أن (كونيليوس كابيتو لينوس) وصفها بأنها أجمل وأقوى نساء عصرها.

-مواقفها الدينية والسياسية: اتصفت زنوبيا بالحنكة والذكاء كما الخبرة العملية العسكرية التي دفعتها لانتهاج سياسة التسامح والتعاطف مع الأديان الأخرى، حتى إأن أصحاب تلك الديانات ادعوا أنها تنتمي إليهم، كما أن المؤرخين والباحثين العرب خلطوا كثيراً في تاريخ زنوبيا من قصص الأساطير غير الواقعية عنها، فتباينت الآراء والأخبار حول انتماء زنوبيا الديني، فأكّد فيه فريق من الباحثين أنها تنتمي للديانة اليهودية مستشهدين بدليل أنها أحاطت نفسها بمستشارين يهود، كما أنها كانت تدعم بشدّة طائفة الشتات وهي طائفة يهودية الأصل. أمّا الفريق الثاني فقد ذهب إلى أن زنوبيا تنتمي للمسيحية كونها ساعدت وبشدّة انتشار المسيحية في تدمر، واستشهد هذا الفريق على كلامه من خلال العلاقة الوطيدة بينها وبين أسقف إنطاكية في ذلك الوقت. أمّا الاتجاه الثالث فقد أكّد أنها تحوّلت إلى الديانة المانوية على يد ماني الذي أسّس تلك الديانة عام ٢١٦م، وأكّد هذا الفريق زعمه من خلال رسائل وجدت في مصر. ولعل الخيار الأقوى والدليل الأصدق على انتماء زنوبيا للوثنية هو تلك المعابد التي كانت منتشرة في تدمر إبان حكمها مثل معبد بل، ثيو، بل سمين، واللات. أمّا عن انتماء زنوبيا السياسي فقد اتضح من خلال المشاحنات التي بدأت بينها وبين الرومان منذ تولت الحكم بالوصاية عن ابنها، وخاصة بعد أن رفض الرومان إعطاء ابنها ميّزات كميّزات والده، محاولين في ذلك تقليص حكمها وسلطتها، فنشبت بعد ذلك خلافات كبيرة دفعتها إلى تكوين دولة عربية موّحدة بزعامتها، فتقرّبت من القبائل العربية، وعملت على توسيع جيشها فضم جنوداً من خارج تدمر كمدينة الفرات، ومن أبناء القبائل العربية المجاورة، وعند وصولها إلى قوة كبيرة عملت زنوبيا على توسيع مملكتها لتصل بها إلى أنقرة شمالاً، ثم أصبحت ملكة على بلاد الشام ومصر. وهذا الإنجاز حقّقته تلك المرأة بقوتها وحنكتها وبسالتها ما جعلها تقف في وجه جيوش لم يستطع كبار المحاربين مجاراتها، وفي هذا تأكيد للمرأة في كل زمان ومكان بأن من تثق بإمكاناتها وقدراتها ومهاراتها تستطيع فعل المستحيل.

العدد 977 - 22/09/2021