القانون في واد.. والواقع في وادٍ آخر!

إيناس ونوس: 

لستُ ضليعةً بالقوانين ولستُ جديرةً بنقاشها كأهل الخبرة، إنَّما ما يدفعني لتناول ما أتناوله اليوم هو الذُّهول واستهجان بعضٍ من قوانيننا التي يُفترض أنَّها وُضعت لتنصف النَّاس وتحكم بينهم بالعدل، غير أنَّ ما يحدث على أرض الواقع معاكس له تماماً، ممَّا يؤسِّسُ للشُّعور بالظُّلم والقهر والتَّمييز الفظّْ، ويحثُّ من جانبٍ آخر على المطالبة الجدِّية بتعديلها لجعلها متماشيةً مع الواقع الحالي سعياً لتحقيق العدالة المنشودة، لا أن تبقى رهينة التَّواريخ التي اعتُمدت بها منذ عقودٍ خلت، حينما كانت ظروف الحياة مختلفةً تماماً عمَّا هي عليه اليوم في مختلف المجالات والصُّعد.

أحد أهم تلك القوانين هو قانون الأحوال الشَّخصية المعنيِّ بكلِّ ما له علاقةٌ بتنظيم الحياة الأسرية في جوانبها المتعدِّدة، من إرثٍ ونسَبٍ وزواجٍ وطلاقٍ وحضانةٍ …إلخ، وأخصُّ بالحديث اليوم ما يتعلَّق بواحدة من نتائج الطَّلاق، ألا وهي النَّفقة التي هي عبارةٌ عن مبلغٍ ماليٍّ تفرضه المحكمة على الزَّوج السَّابق/ الطَّليق يجب أن تحصل عليها الحاضن وهي الأمُّ عموماً، إضافةً إلى نفقة المحضون أي الطِّفل، بعد إعلان الحكم بالطَّلاق بين الأبوين لوصول استمرارية الحياة الزَّوجية بينهما إلى طريقٍ مسدود.

المذهل في الأمر أنَّ محاكمنا لم تتعايش مع الواقع ومع الظُّروف الاقتصادية المتردية سوءاً هذه الأيام، ولا تزال تتعامل في هذا الجانب مع ما كان عليه الحال في فترة التَّعديل الأخيرة، إذ يحكم القاضي للأم الحاضنة بمبلغ 15 ألف ليرة شهرياً، وللطِّفل بمبلغ 12 ألف ليرة شهرياً!!

لا أدري بالدقة ماهية المعايير التي تعتمدها المحكمة في تحديد قيمة هذا المبلغ المخصَّص للأمِّ الحاضنة كأجرةٍ لها على تربيتها لأطفالها، ولا قيمة المبلغ الذي يستحقُّه الطِّفل من أبيه شهرياً، لكنِّي سمعت من أحاديث عدَّة أنَّه يتمُّ حساب هذه المبالغ وفقاً للحالة المادية التي يعيشها الأب، ونفاجأ اليوم بهذه المبالغ الزَّهيدة للغاية والتي لا تساوي ثمن بنطالٍ أو حذاء في ظلِّ هذا الغلاء الفاحش، وصعوبة توفير أبسط مستلزمات الحياة اليومية، فضلاً عن مصاريف الدِّراسة والطَّبابة مترافقةً مع ارتفاعٍ غير مسبوقٍ لإيجارات السَّكن وغيرها من الضَّروريات، وإذ نتكلم هنا فنحن نحدِّد الحاجات الملحَّة ولم نتطرَّق لأمورٍ أخرى من الممكن أن نصنِّفها ضمن الكماليات أو الرَّفاهيات كتسجيل الأطفال في دورةٍ هنا أو هناك تلبيةً لمواهبهم أو ميولهم، وكأنَّ لسان حال المعنيين يقول: فلتذهبوا إلى الجحيم!!

تتسارع التَّساؤلات الخانقة والتي لا إجابة واضحةً عليها، كيف لأمٍّ أن تؤمِّن احتياجات طفلها بهذه المبالغ؟ كيف لها أن تتفرَّغ لتربيته دون أن تكون مجبرةً على العمل الإضافيِّ فوق عملها الأساسيِّ إن كانت موظَّفةً أو عاملة؟؟؟ وماذا سيكون حالها إن لم تكن كذلك؟

كيف يمكن لواضع هذه التَّشريعات أن ينحاز للرَّجل بهذا الشَّكل المثير للرِّيبة على الدَّوام؟ لاسيما أنَّ بعض الآباء يعمدون بهذه الحالة لإبراز ما يثبت عدم كفايتهم في حين أن الجميع يعلم أنَّ الواقع مخالفٌ تماماً، إضافةً إلى ظاهرةٍ برزت في السَّنوات الأخيرة وهي انفصال الأبوين وبقاء الأمِّ والأطفال داخل البلاد، بينما يعيش الأب في بلادٍ هاجر إليها، ومن ثمَّ فإنَّ أموره المالية ميسَّرةً بشكلٍ أو بآخر قياساً لما نحن عليه هنا بحكم فرق العملة؟!

ثمَّ، وبعد الإذعان لهذه المبالغ، يغدو من الضَّروري أن ترفع الأمُّ الحاضنة دعوى على طليقها ليتمَّ البتُّ بحكم النَّفقة لها ولأبنائها.. ألا يُعدُّ الأمر مسخرةً كبرى!؟

ما دام القانون اعترف بحقِّ الحاضن والمحضون بهذه النَّفقة، فلماذا يجب رفع دعوى وتحمِّل أعباء مصاريف إضافيةً والانتظار مجدَّداً في أروقة المحاكم حتى يتمَّ البتُّ بها، ألم يتعيَّن على المشرِّع أن يدرس الحالة النَّفسية التي سيعيشها كلٌّ من الأمِّ والطِّفل اللذين يشعران بأنَّهما يتسوَّلان؟؟ أليس من المفترض أن يكون الحكم واجب التَّنفيذ مباشرةً بعد إعلان قرار الطَّلاق؟؟؟

ثمَّ وفي حالة الأب الموجود خارج البلاد، من يتمكَّن من إجباره على الالتزام في حال رفعت الأمُّ دعوى النَّفقة؟

كلُّ شيءٍ حولنا يتغيَّر بسرعة البرق، ولم نعد نشعر باستقرارٍ في أبسط الأمور، فلماذا تبقى مثل تلك القوانين وغيرها على ما كانت عليه قبل عقودٍ طويلة!؟ وما الغاية المنشودة من بقاء الحال على ما هو عليه؟ ولصالح من هذا التَّأخير في تعديل القوانين؟ وأسئلةٌ كثيرةٌ تدور في الأذهان، غير أنَّ لا صدىً لها أبداً ولا إجابة.

العدد 969 - 28/07/2021