السوريون حقول تجارب في مخبر الحكومة!

سليمان أمين :

إن لم تستحِ فافعل ما شئت!

ها هو ذا مثَلُ الأمس يصبح واقعاً صريحاً يعيشه السوريون تحت رحمة قرارات الحكومة ومنهجها العقيم في معالجة الواقع الاجتماعي والخدمي، منهج أقل ما يمكن وصفه بالوباء القاتل لمعالم الحياة وأنوثتها الصارخة بجمال يتلذذ به الوجع والألم وفق تشريعات وارتجالات سموم الموت الذي تحتويه خلطات التصريحات المتنازعة فيما بينها، والتي تذكرنا بلعبة شد الحبل وصراع الديوك الفلبينية، ومن يكسب رهان اللعبة ويفوز بجائزتها. صراع التصريحات وتخبطاتها بين النفط والكهرباء صراع أودى بمدننا وأيامنا إلى ظلام دامس، بعد أن كانت قبل عشر سنوات تبتهج بحفلات السمر ولمّات الأحبة، بجانب مدفأة تزداد نارها كلما عصفت رياح تشرين وزادت برودة طقسه.

اليوم لم يبقَ للسوريين سوى ذكرياتهم يحرقونها ليطهوا عليها وجبات أنينهم ووجعهم الذي لا يسمعه أحد، في بلد تحول فيه المسؤولون إلى صُمٍّ لا يسمعون سوى مناظراتهم التي باتت موضة غير منطقية خارجة عن واقع المنظومة المجتمعية المتهالكة، وقد اختصرها أحد المسؤولين بمناظرته الصريحة: لا يهمنا ما يكتب ويقال على وسائل التواصل الاجتماعي! أي أكد تأكيداً لفظياً ومعنوياً أن آخر همّهم ما يطالب به المواطنون وما يعبرون به عن واقع معيشتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الذي بات منفس وجعهم الوحيد، فهذا ليس سوى مثال بسيط عن حال مسؤولي مؤسساتنا الحكومية اليوم، وحال منهجهم الإداري المتبع في خدمة المواطنين والمجتمع السوري وفق ما نص عليه وأكّده دستور البلاد وقوانينها الناظمة.

إرضاء التجار ولصوص الحرب وأثريائها غاية لا تدرك، فليس همّ حكومتنا العزيزة ومسؤولينا الأكارم أن يعيش المواطن وفق أدنى مستويات المعيشة من شراب وطعام وغاز وكهرباء، بل المهم والأهم أن يبني التجار ثرواتهم على حساب قوت الشعب وكرامته، وأن ينفذوا مشاريعهم باستملاك كل شيء في بلدنا ليكونوا هم المتحكم الأول والأخير، غير آبهين بالقوانين ولا بأي قرار صدر ويصدر، فكلنا يتذكر ويعلم أن التداول بالدولار الأسود ممنوع وفق المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2020 ، ولكن الواقع يقول وباعترافات الحكومة، غير المباشرة، إن التعامل والتسعير كله يتم على الدولار الأسود وليس على تسعيرة المركزي الثابتة، فإذا كان التجار يستوردون وفق إجازات استيراد دولار المركزي، فلماذا أسعار المواد الأساسية وغير الأساسية والأدوية وغيرها تسعر كل يوم بتسعيرة أعلى وفق ارتفاع دولار السوداء، وكذلك تحرير أسعار المحروقات وغيره يتم وفق الأسود، يحق لنا هنا أن نتساءل : لماذا يُلاحَق المتداولون الصغار فقط!؟ هل من أجل إخلاء الساحة للمتحكمين وسادة (السوداء) ليزيدوا ثرواتهم أكثر وأكثر؟ أم هو شكل من أشكال البريستيج الذي تعودنا على رؤيته بأنهم يطبقون القانون، إذا كان كل شيء وفق الأسود لماذا يتم صرف حوالات المواطنين ومصروفهم التي يرسلها أولادهم لهم وفق دولار المركزي وليس وفق دولار السوداء ؟؟ فليس من العدل التسعير على (الأسود) والتصريف على دولار المركزي.

فوارق التسعير بين يوم ويوم للمواد الغذائية باتت واقعاً سيئاً لم يلقَ رادعاً حكومياً، حتى مؤسسات التجارة الداخلية ترفع تسعيرتها بشكل تلقائي أي وفق تسعيرة تجار الأسود، فكيف يعيش السوريون براتب لا يتجاوز 25 دولاراً في الشهر، أي 60 ألف ليرة سورية فقط؟

اليوم هذا السؤال يُطرح وبقوة.

لم يقف الحال عند التسعير ورفع الدعم عن كل شيء، بل باتت قرارات الحكومة والمسؤولين أكثر إذلالاً للمواطنين في حرمانهم من أبسط أساسيات الحياة، فاليوم لا يحصل المواطن السوري سوى على 5 ساعات كهرباء فقط، إضافةً إلى حرمانه من الغاز فأغلب المواطنين لم يحصلوا على أسطوانة غاز منذ ثلاثة أشهر ومنهم أكثر، وفي الوقت نفسه هناك غاز حر متوفر تباع أسطوانة الغاز بـ(25000 ) ليرة سورية وأكثر في بعض المناطق، ولم تعد هذه التصرفات غريبة على السوريين، فبات أصغرهم يعرف بأن الغاية رفع التسعيرة، فالغاز متوفر وموجود، وكذلك الكهرباء، فنحن بلاد الغاز والثروات والكهرباء، فكيف لا تكون موجودة، ولكن هناك غاية في نفس يعقوب يجب أن تنفذ ليتم تحرير الغاز والكهرباء وتسليمها للتجار، وهذه الطرق باتت مكشوفة وعلنية ولم تعد من اختصاص دارسي العلوم النفسية وغيرها، فمن المعيب والمخجل أن تصبح خطابات وقرارات مسؤولي مؤسساتنا المتناقضة مصدر سخرية للمواطنين الذين لم يعد يضحكهم سوى الاستهزاء والسخرية من واقعهم المّر والأكثر من سيّئ وهم على علم ودراية بأن حياتهم ومصيرهم بات مجرد حقل تجارب في مخبر الحكومة وتجارها .

ختاماً

المهم اليوم هو تغيير المنهجية البالية، واعتماد منهجية توافق تطلعات الحاضر، ليكون وطننا وشعبه بخير في المستقبل القريب، فالعالم اليوم دخل عصر التكنولوجيا بكل مجالاتها وقريباً سيدخل عالم الفضاء، ونحن مازلنا بمنهجية المؤامرات والتهميش والاستغباء وبناء الثروات الفردية على حساب الكل، وقتل الأدمغة وتهجيرها قسرياً، وتدوير الأشخاص نفسهم في المفاصل لسنوات وسنوات وسنوات، فكيف لنا أن نبني ونرتقي ونتقدم؟

العدد 944 - 20/1/2021