بين العلم والجهل.. هل تحكم الجائحة بالقرار السليم؟

وعد حسون نصر:

ما إن هدأت عجلة الحرب قليلاً بعد السنوات العجاف على البلد، وبعد تسرّب أجيال بكاملها خارج صفوف الدراسة، بسبب هذه الحرب وما خلفته من دمار في النفوس قبل البيوت، جاء ما هو أشدُّ خطورة وهلاك، إنه الوباء الذي بدأ يحصد الأرواح بلا رحمة، لم يرحم الكبير ولا الصغير، لم يتوقف عند حدود بلد واحد، جال العالم أجمع، نشر شبح موته فوق سماء العالم، لم يرحم بلدي أيضاً وخاصةً أنها تخرج من حرب طاحنة حصدت معها أرواح كثيرين، جاء الوباء على بلدي وكأنه يريد إخبارنا أن الفرح مازال بعيداً عنّا ومازال غاضباً منّا لا يريد أن يزور سماءنا ويعيد الضحكة إلى شفاه صغارنا وكبارنا، ومع هذا كان عطوفاً علينا لطيفاً في غضبه لا يشبه الغضب الجامح الذي ثار به على من حولنا، وبالتالي حلّ الوباء بأرضنا وشبحه طاف في سمائنا.

السؤال: ماذا فعل الفريق المكلّف لإدارة الجائحة من أجل الحدّ من انتشارها وعبثها في أرواحنا؟!  في البداية جرى إغلاق أماكن التجمعات شيئاً فشيئاً، وكانت الخطّة نوعاً ما سليمة لبلد مثل بلدنا خارج من حرب بلا أيّ مقوّم للسلامة أو حتى مقوّم مادي ومعنوي، والأهم كان إغلاق المدارس وخاصةً أنها تحوي تجمّعاً كبيراً من الطلاب بسبب قلّتها بعد الحرب، وتوافد نسبة كبيرة من السكان إلى مكان آمن واحد، وبالتالي غاب الطلاب عن المدرسة فترة طويلة استمرت حتى حلول العام الدراسي الجديد مع قرار الفريق المعني بإدارة الجائحة بعودة الطلاب جميعاً إلى مقاعد الدراسة، طبعاً المرض مستمر ولا أحد يعلم متى سيتوقف انتشاره ويحدُّ من عظمة سطوته على الأرواح، وبالتالي من الطبيعي أن تستمر الحياة وخاصةً في العمل، فلا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي لا نعمل وننتظر المجهول بأفواه مفتوحة للقهر وأمعاء خاوية تقاوم الجوع. حتى بالنسبة للمدارس والجامعات والمعاهد لا يمكن أن يبقى العلم مغيّباً عن فكر أبنائنا خاصةً أننا نصارع المجهول. ربما يستمر الوباء سنوات، فهل يبقى الطلاب خارج صفوفهم، فيتفشى الجهل أكثر وأكثر ونحن مازلنا نعاني جهل الحرب الذي لم ينتهِ بعد؟ من الطبيعي أن تعود الحياة للاستمرارية من جديد، لكن ماذا فعل هذا الفريق لسلامة عودة الحياة؟ هل جهّز لطلابنا المدارس بأبسط المقومات من ماء ومواد تعقيم ومنظفات؟ هل جهّز دورات المياه بأدوات التعقيم اللازمة وخاصةً أنها أكثر مكان خطير لنقل الوباء؟ هل دعم الصفوف بمقاعد لمنع الكثافة في الصف الواحد والحدّ من ظاهرة ثلاثة طلاب أو أربعة على مقعد دراسي واحد، هل جهّز في كل مدرسة فريقاً طبياً مختصاً لفحص حرارة الطلاب إن لم يكن جميعهم، بل فقط الذين تبدو عليهم آثار مرض وإن لم يكن وباء، هل قدّم الأقنعة والمواد الوقائية لمن لا يستطيع شراءها من الطلاب من أبناء الطبقة محدودة الدخل؟

كل هذه التساؤلات من حقّنا نحن الأهل أو حتى الأشخاص العاديين، فحياة أبنائنا غالية علينا جميعاً، من الطبيعي أننّا خرجنا من حرب وبالتالي مقوماتنا ضعيفة جداً، ولا يمكن أن نؤمن بعجزنا هذا مقومات التصدي للوباء، ومن المفروض احترام حياة أبناء هذا البلد ولو بأقلّ التكاليف، إضافة إلى إجبار الطلاب على الالتزام بالنظافة، وهذه بالأساس مهمة الأهل والمعلم معاً، التخفيف من الضغط في المقاعد والصفوف وهذه مهمة الإدارة ومديريات التربية، كل هذه الإجراءات يجب الوقوف عندها فهي مسؤولة عن حياة أولادنا وأرواحهم. طبيعي أن تستمر الحياة وطبيعي أن لا نُغيّب أبناءنا عن مقاعد الدراسة بعد انقطاع دام أشهراً وأدى لضعف المعلومات عند الكثير من الطلاب، لكن الواجب أيضاً يفرض الحفاظ على حياتهم من قبل الأهل والمدرسة معاً، كالالتزام بالكمّامة وخاصةً فترة الدخول والخروج من المدرسة وفي باحاتها، عودة الطالب الذي يشعر بالحرارة أو السعال أو الزكام إلى منزله، مع تعويض الفاقد التعليمي له من قبل معلم/ة الصف عبر وسائل التواصل الاجتماعي( واتساب ماسنجر وغيرها) الاهتمام بنظافة دورات المياه من قبل المستخدمين والطلاب معاً وذلك بتزويدها بالمعقمات والمنظفات والصابون والماء أهم شيء، لأن الحياة ستستمر علينا أن نعيشها بعيداً عن الخطر. لا يمكن أن نوقف شبح الموت عن أرواحنا لكن يمكن أن نتجنّب اقترابه منّا بأيدينا، الوقاية خير علاج والحياة لا تتوقف عجلتها وإن كثرت العوائق فلابد لهذه العجلة أن تمضي، إنما من المهم أن تمضي بسلام على أرواحنا والشفاء العاجل للعالم ولبلدي من شبح الفقر والقهر والذل والحرب، وبعده شبح الموت من الوباء والجائحة.  

العدد 933 - 28/10/2020