طلاب المدارس والتّخبطات الوزاريّة.. إلى أين المصير؟!!

يارا بالي:

بعد ما يقارب عشر سنوات على الحرب السورية، وبعد صبر أسطوري سطّره المواطن السوري بكل أطيافه، وبعد أن استنزفت الأزمات طاقته وصبره، وأثقلت كاهله جميعها.. فلا حلول مطروحة ترحم ما تبقى من جَلَد، ولا صوت ولا صدى.. هذا ما نحياه اليوم في الواقع اليومي لكل الفئات، فمن أزمة قتل ودمار، وتهجير وبارود، إلى أزمة ضيق مادي واقتصادي، وغلاء معيشي فاحش، إلى أزمة الطوابير الحالية، وهكذا تتوالى الأزمات وتجلب الأزمة أختها، وصولاً إلى أعظمها وأخطرها ألا وهي الأزمة الصحية وانتشار الوباء العالمي (كوفيد 19) المعروف باسم (كورونا)، وهنا يكمن السؤال الأبرز:

هل نملك اليوم مقوّمات صمود كافية لنواجه خطر الانتشار الهائل للمرض؟ لاسيما بعد أن أعلنت المدارس فتح أبوابها؟ ومن هي الفئة العمرية الأكثر دفعاً للثمن، والأكثر تعرّضاً لمخاطر هذا الانتشار؟

وسط تعاظم الأزمات في البلاد، ومع نهاية فصل الصيف، أقبل موسم المدارس، وأعلنت الوزارة حالة الاستعداد لعودة الطلبة والكوادر التعليمية إلى الدوام، ولكن هذا العام لم يكن الأمر كالمعتاد، فقد أثار الخوف من انتقال العدوى الوبائية حالة هلع شديد عند الأهالي والمدرسين والعاملين في القطاع التدريسي، ولاسيما بعد أن صرّحت فئة بارزة من الأطباء السوريين والمطلعين على الوضع الصحي الّذي نحياه اليوم، بأن عودة الدوام في المدارس يشكّل خطراً شديداً على الصحة المجتمعية ككل، لأن الفصل الشتوي هو فصل الأمراض التنفسية بامتياز، ولأن الرطوبة الحاصلة في الجو ستساعد على الانتشار السريع للجائحة العالمية كورونا، لهذا فإن الرهان على أمر بهذا المستوى من الخطورة هو رهان خاسر ومجازفة بالأرواح، خاصة للتلاميذ في الصفوف الأولى، فهؤلاء يصعب عليهم فهم التدابير الوقائية الضرورية للوقاية، وإن استطاع القائمون على الأمر إيصال الأسس الصحية لهم، فلن يستطيعوا ضمان تطبيق هذه التدابير بالشكل الصحيح الّذي تتحقّق فيه الحماية لهم ولغيرهم، فإن استدرك الطفل لبس الكمامة، فقد لا يستدرك طريقة وضعها السليم، وإن التزم بوضع المعقمات باستمرار، فلن يستطيع استدراك التباعد المكاني المُرتجى لتحقيق السلامة، والمدارس ليست مُجهّزة لحالة بهذا المستوى من الخطورة الصحية، وأعداد الطلبة الهائلة في معظم مدارسنا يستحيل معها تحقيق التباعد المكاني، والمستوى المعيشي للفرد ومع الأسف لا يسمح بالإنفاق المطلوب من قبل الأهالي على أولادهم، وعلى أنفسهم، بشراء المعقمات والواقيات وتبديلها على الدوام لضمان الأمان الصحي، فضلاً عن الاستنزاف البشري المحتمل للخبرات التعليمية، والطواقم التخصصية، وبالأخص ممّن تجاوز الأربعين من عمره، إذ يُعدُّ من الفئات الأقلّ مناعة أمام المرض، والأكثر خبرة في مجاله العلمي، ما يجعل الخسائر فادحة، والمجازفة غير مقبولة.

بالمقابل، ووسط هذا الكم الضخم من الضغوط المتعلقة باستمرار دوام المدارس، يأتي الرد الوزاري لوزير التربية والتعليم الجديد، بأن المدارس مُجهّزة بالشكل الأمثل لاستقبال الطلبة بأمان، وأن الحالة الطبية في مدارسنا ما تزال تحت السيطرة، وأنه أعطى الصلاحيات الكاملة لإدارة المؤسسات التعليمية بأي خطوة أو قرار في حال ظهرت أعراض مرضية على أيّ من الطلبة، إذ يستطيع المدير إغلاق شعبة كاملة أو مدرسة إذا اضطر الأمر لذلك، متناسياً حالة التوتّر والتخبّط التي يعيشها أولياء الأمور بهذا الشأن، فقد أصبحوا أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإمّا الدوام والخطورة ترافق أبناءهم، وإمّا العزوف عنه والخسارة للسنة الدراسية هي مصيرهم الحتمي.

في حين صرحت وزارة الصحة عن حالات مسجّلة في المدارس، وفي أكثر من محافظة.. الأمر الّذي زاد من سخط الأهالي على التخبّطات الحاصلة في القرارات الوزارية، الّتي عدّها البعض استهانة بأرواح الناس، وتقصيراً في الدارسة والتخطيط لمتطلبات الوقت الحاضر.

وإذا نظرنا اليوم إلى الحلول المرجوّة للواقع الصحي الطلابي، سنجد التعلم الإلكتروني هو الحل الأمثل، لأنه لا يحتاج إلى تجمّع الكوادر الطلابية والتدريسية، ولكن يبقى هذا الخيار من شبه المستحيل تطبيقه، بسبب افتقار المدارس والطلبة للأجهزة الحديثة الّتي تجعل الخيار متاحاً للجميع، فضلاً عن انعدام ثقافة التعلّم عن بعد لدى الغالبية العظمى من المعلمين والمتعلمين على حدٍّ سواء، ولكن بالمقابل لا يمكننا تفضيل استمرار العام الدراسي على أمر مهم وخطر كأمر الرعاية الصحية والخطورة المترتّبة عليه إذا استمر المرض بالانتشار، لاسيما أن المشافي وتجهيزاتها لم تعد تكفي اليوم لعدد المرضى المتزايد، هذا ما جاء في تصريحات الأطباء وتحذيراتهم للناس على أمل أخذ الحذر والتعامل الجدي مع المرض.

العدد 933 - 28/10/2020