(قدّيش حلوة هالشيبة!)

إيناس ونوس:

تتشبَّث عيناي بهما، يسيران الهوينى في الاتجاه المعاكس لي، يرمي بثقله على عكَّازه كي لا يثقل بكلِّ كاهله على رفيقة عمره التي تمسك إحدى يديها بساعده، بينما تحمل بالأخرى كيساً من الأدوية، كم يبدوان جميلين معاً! وكم تخيّلت نفسي حينما سأصبح في مثل سنهما. اقتربنا من بعضنا وتابع كلٌّ منّا مسيره، تفرَّست في وجهيهما اللذين خطَّتهما السُّنون بخطوطها، وكأن تلك الخطوط تحكي ما مرَّ بهما، تناهت إلى مسامعي بضع كلماتٍ من حديثهما عن ارتفاع أسعار الأدوية في ظلّ عدم وجود تأمينٍ صحيٍّ لمن هم في مثل سنهما، وأكمل كلٌّ منّا طريقه وكأننا لم نلتقِ أبداً، لكنهما استحوذا على كلِّ تفكيري، وبالفعل قد سيطرا عليَّ وعلى ما كنت أفكر به قبل رؤيتهما.

عجوزان في أواخر عمرهما، في مرحلةٍ من المفترض أن تكون مكافأةً لهما بعد رحلة عمرٍ طويلة، تخيَّلت أنهما قد بقيا وحيدين بعد أن كبر أبناؤهما وغادروا إلى حياتهم الخاصة في هذا العالم اللامتناهي. تراءت لي حياتهما، وكمُّ المعاناة التي يعيشانها في ظلِّ الواقع المعيشي المتردي سوءاً يوماً بعد يوم، كم يفتقدان للدِّفء، للفرح، للعلاج، ككلِّ المسنين في بلادي، وربما ككلِّ إنسانٍ في هذا البلد، تخيَّلت كم مرَّا بظروفٍ، وكم خاضا من تجارب، وتساءلت في سرِّي: ألم يحن الوقت كي يعيشا بعضاً من الرَّاحة هما ومن مثلهما؟ ربما كانا بحالٍ أفضل من غيرهما، فهيئتهما توحي بذلك، بينما غيرهما كثيرون يفترشون الأرض ويلتحفون السماء دون مأوى يقيهم حرَّ الصَّيف وبرد الشِّتاء، لا يملكون ثياباً ولا طعاماً ولا علاجاً لأمراض العمر المديد.. ولا بعضاً من أمل!!

مشاهدُ متنوعةٌ نراها كلَّ يومٍ في شوارعنا تنهش قلوبنا، عجائز ينبشن حاويات القمامة بحثاً عن لقمةٍ تسدُّ الرَّمق، رجالٌ جار عليهم الزَّمان يجلسون على قارعة الطَّريق يمدُّون يدهم لكلِّ مارٍّ يرجونه أن يعطيهم بعضاً من مالٍ أو لباسٍ أو… مسنُّون يسيرون كالأطفال في بداية تعلمهم المشي خوفاً من مسرعٍ يدفعهم دونما اكتراث، أو خشيةً من صِبيةٍ يتمازحون قاطعين الطَّريق دونما اهتمامٍ بغيرهم مهما كان كبيراً أو صغيراً، ودونما مراعاةٍ لآداب الطَّريق التي كنا قد تعلَّمناها فيما مضى، طوابيرُ من النِّساء والرِّجال الطَّاعنين في السِّن أمام الأفران أو المؤسسات الاستهلاكية ينتظرون ساعاتٍ طويلةٍ ليحصلوا، إن حصلوا، على ربطة خبزٍ أو كيلو سكر!! أما في وسائل النقل العامة فحدِّث ولا حرج عن كيفية التَّعامل مع هؤلاء الأشخاص، فالقيم الاجتماعية اختلفت جذرياً ولم يعد الصَّغير أو الشَّاب يراعي الكبير أو يحترم وجوده في مثل هذه الأماكن.. والأكثر قهراً وبشاعةً أن يتم استخدام هؤلاء الأشخاص من قبل ذويهم، الذين من المفترض أنهم يرعونهم، في أعمال التَّسول، أو ابتزازهم من قبل بعض العصابات ليكونوا وسيلتها للوصول إلى فرائسها، ما جعلنا نخاف على أبنائنا ونمنعهم من مساعدة عجوزٍ هنا أو هناك كما كنا نفعل سابقاً وكما علمتنا كتب المدرسة.

قديش حلوة هالشيبة! وكم تعيش من مآسٍ وآلام، ألم يكفِها كلَّ ما مرَّ عليها؟ أليست الأجدر بأن تلقى العناية والاهتمام كعربون شكرٍ عن كلِّ ما قدَّمته خلال مسيرة عمرٍ طويلةٍ سواء على الصَّعيد الخاص في عائلتها، أو على الصَّعيد المجتمعي العام؟ أم أنها مجبرةً على تقديم المزيد من العطاء حتى وهي في أمسِّ الحاجة لأن تأخذ ولو جزءاً بسيطاً من حقوقها؟؟

قديش حلوة هالشيبة! لكنها لا تليق بهذا البلد الذي لا يحترمها ولا يصونها ولا ينتبه لوجودها أساساً.

العدد 933 - 28/10/2020