كبار السن بين العجز والحقوق المرجوّة

وعد حسون نصر:

من المفترض أنه كلما تقدمنا في السن ازدادت حاجتنا إلى الراحة، حتى إن سنّ التقاعد مرتبط بسنوات عمرنا ومدى تلك الحاجة. لكن للأسف، في بلدي المصلوبة على أخشاب القهر بتنا نخشى من تقدمنا بالسن، وباتت المخاوف مرتبطة بكيفية مواجهتنا للحياة، وخاصةً أننا في سورية التي عانت ولا تزال تعاني من نار الحرب وكرّها وفرّها، لذلك يغدو الخوف هنا أكبر، ليس لأننا سنخسر مظهرنا وتتغيّر معالمنا ويشيب شعرنا وتغزو التجاعيد جسدنا، بل لأن هناك شبحاً أكبر بكثير سيلاحقنا، ألا وهو فقدان القدرة على العمل بسبب التقدم في السن، ما يعني فقدان القدرة الشرائية لما هو ضروري لنا من طعام ولباس ودواء، وخاصةً إذا لم نكن من العاملين في القطاع العام ولا نمتلك راتباً تقاعدياً يحمينا!!

لا يخفى على أحد أنه كلّما تقدّم الشخص في السن ازدادت أمراضه، وهنا لابدّ من العلاج والدواء والأنظمة الغذائية الصحيّة والحمية وما شابه، والمشكلة الأكبر أننا إذا أُصبنا بمرض يستدعي عملاً جراحياً، وهذا كله يتطلّب مورداً مادياً ليس بالقليل، والمشكلة الأكبر إن كان الدخل محدوداً أو معدوماً عند المسنين. ولا ننسى أيضاً مشكلة السكن وخاصة للعائلة البسيطة التي لا تملك سوى مسكن صغير، أو لا تملك قطعياً مسكناً خاصاً بها إنما تعيش بالإيجار، وهنا لابدّ أن يقيم الأهل مع أولادهم المتزوجين في منزل واحد، طبعاً بسبب ظروف الحياة المعيشية، وهنا لاشكّ ستنجم مشاكل بسبب اختلاف طباع الطرفين، وحينئذٍ لابدّ أن يلجأ الأولاد لاتخاذ قرار وضع الأهل سواء الأب أو الأم بدار المسنين، وهذا الحل بحدّ ذاته صدمة قاتلة للأهل.

 لا يخفى على أحد أن رعاية المسنين وتأمين حاجاتهم لم تكن قبل الأزمة أفضل من الآن، لذا أملنا بالتقدم بعد أن تزول غيمة الحرب من سماء بلدي وتوجّه قطاعات الدولة نحو الإصلاح في كل المجالات والجوانب، ومنها الجانب الخاص برعاية بالمسنين، وذلك تكريماً لهم من منطلق حقهم علينا بعد عطاء طويل أخذ منهم شبابهم وصحتهم، فلا بدّ أن تسعى الدولة والمنظمات الإنسانية والمدنية وكل من يهتم بالإنسان إلى تخصيص مبلغ مادي يتقاضاه المسن كل أول شهر لتأمين مصروفه الشخصي، كذلك لابدّ من إيجاد مراكز صحية مجانية أو شبه مجانية خاصة برعاية كبار السن تقدم لهم الدواء وتُشرف على علاجهم، وإن اضطر الأمر عند البعض لإجراء عمل جراحي أن تساهم في دفع تكاليف هذا العمل لمن لا يستطيع أن يدفع، أو تساهم بدفع الحصّة الأكبر من قيمة العمل الجراحي على الأقل، لا ننسى أيضاً المأوى (السكن) الذي يُعتبر من أساسيات الحياة، فلابدّ من تأمين دور خاصة للمسنين مُجهّزة بكل ما يلزم من تدفئة وطعام وملابس وما شابه، تحت إشراف قطاع الدولة والمنظمات الإنسانية ممّن هم ثقة، لتلافي استغلال التبرعات والاعتماد فقط عليها، والتسوّل بحجّة تأمين اللازم للمسنين، هذا إٍن نال المسنّ شيئاً منها. طبعاً هذا أقلّ شيء يمكن أن نقدمه لمن أعطى وأفنى حياته بالعطاء، فلا يُبنى جسد إلاّ ليفنى جسد، ولا ننسى أننا جميعاً سوف نصل إلى هذا العمر، فلابد أن نصنع اليوم لمن سبقونا بالعمر من آبائنا وأمهاتنا ما يريحنا غداً، لأن من حق المسن في بلادي أن يتمتّع بما يحصل عليه المسن في الغرب ولو بجزء قليل لتعويض شقائه، وهنا لابدّ من صحوة للدولة الكريمة حيال كبارها في السن، فمن لا يملك كبيراً برجاحة عقله فعليه أن يشتري كبيراً!   

العدد 933 - 28/10/2020