في عصر التقنية.. الخرافة ما تزال تنبض في مجتمعاتنا.. تعرّف على خرافة بلدك!

يارا بالي:

لكل مجتمع حضارته، وأدواته، وطريقته في التعبير عن نفسه، بناءً على الموروث الثقافي لديه منذ القدم وحتى يومنا هذا، ولا يوجد مجتمع يشبه الآخر.. فلكل بلد أو دولة أعرافها وطقوسها الخاصة، ولكل نسيج اجتماعي خصوصيته النابعة من طبيعة الأحداث التاريخية التي مرّ بها والتكوين الجغرافي الّذي نشأ فيه. ومن هنا تختلف معتقدات كل جماعة عن الثانية، فمنها ما بُني على أسس منطقية، وأُخذ منه العبر والحكم، فكان مزيجاً من مبتدعاتٍ خيالية، وتقاليد شعبية، وتفاصيل واقعية، وغدا مع الزمن (أسطورة)، ومنها ما بُني على تخيّلات غير منطقية، وبعيدة كل البعد عن العقل فسمي بذلك (خرافة). ولم تقتصر الخرافات والأساطير على مجتمع دون آخر، ولا على زمنٍ مُحدّد بعينه، وإنما هي موجودة منذ آلاف السنين وما تزال، فمنها ما هو حيّ إلى الآن، لم يمت عبر القرون، ومنها ما اندثر بفعل الوعي والتطور الّذي طرأ على المجتمعات.

فما هي أشهر الخرافات والأساطير في وطننا العربي؟؟ وما المعتقدات والأسباب الّتي دفعت هذه الخرافات للاستمرار كل هذه الأعوام على الرغم من النضج الاجتماعي والتطور الرقمي التكنولوجي الّذي نحياه في يومنا هذا؟! ونبدأ في منبتنا وجذورنا (بلاد الشام)  فمنذ الجاهلية وإلى اليوم، يُعدُّ طير الغراب من أكثر الطيور الّتي سادت عليها خرافة الشؤم عند رؤيتها، فقد اعتبره العرب رمزاً للنحس، ونذير خراب إذا ما حلّ، وربما يعود السبب للونه القاتم، أو لجمعه القطع المعدنية وما إلى ذلك.. ولم يقف الأمر عند طائر الغراب وإنما حلّ البوم في المكانة نفسها، فقد عدّوه أيضاً نذير شؤم وخراب، وعدّوا صياحه منذراً لموت أحد أفراد الدار الّتي نزل بها، ولا سبب واضح في هذا، وإنما قيل: لقبحه المُدّعى أو لصوته المختلف عن باقي الطيور، وربما لحبه_المفترض_ للأطلال، والخراب، إلى آخر ذلك من تفاسير غريبة عن الحق والحقيقة.

ومن الخرافات الطريفة في بلاد الشام، تخويف الأبوين أطفالهم بـ(الغول والبعبع..) وقيل إن مصطلح الغول كلمة رائجة اجتماعياً مأخوذة عن حكاية أسطورية تصف وحشاً خيالياً، أما البعبع فهو مصطلح مأخوذ من خرافة كانت عن المصريين القدماء آنذاك. ونأتي لخرافة قَرص العروس ليلة زفافها، إذ تقوم الفتيات في الوطن العربي على وجه العموم وبلاد الشام خاصةً بقرص العروس ليلة عرسها كي يحالفهن الحظ ويلاقين مصيرها بالزواج. ومن الخرافات المنتشرة جداً إلى وقتنا هذا، خرافة تعليق حذاء طفل في السيارات، ولربما كان السبب، نظرة من اتبعها في قدرتها على جلب الرزق أو درء الحسد. كذلك خرافة الشعور بالحكّة ودلالتها، فإذا كانت الحكة باليد اليمنى، فمعنى ذلك أن صاحبها سيتلقى مبلغاً مادياً، أما إذا كانت باليد اليسرى، فمعناه أنه سيدفع مالاً. ومن الخرافات الغريبة السائدة حالياً، خرافة رش الأرز على العروسين بعد انتهاء مراسم الزواج كرمز للسعادة والحياة الأبدية وتمني الذرية الصالحة لهما، ويحدث في بعض المناطق أن يُرش الأرز على جنازات الشهداء، تعبيراً عن مشاعر الفخر والاعتزاز بما قدّموه من نبلٍ وتضحيات. وأختم بالخرافة الطريفة، ألا وهي خرافة انسكاب القهوة، وما تحمله من دلالةٍ إيجابية، ومنذرة خير. أما في مصر الشقيقة، فمن طريف الخرافات فيها، خرافة ارتباط طبخ الملوخية بالشهقة، فعند سكب الثوم على الملوخية يجب على ربّة المنزل أن تشهق وإلاّ تعرّضت طبختها للخراب، ولم يُعرف أصل هذه الخرافة إلى الآن. وننتقل إلى إخوتنا في بلاد المغرب العربي، حيث تنتشر خرافة تدشين السكن الجديد، أو المحل التجاري الجديد، بسكب الحليب أو ماء الزهر عند الباب، في حال كان أصحابه من الفقراء، أما إذا كانوا من الميسورين الأغنياء فيعمدون إلى تقديم الذبائح، لأن الحدث يقتضي إكرام المكان ومباركته حتى يُنعِم على ساكنه الجديد. ولا تختلف الأساطير في عالمنا العربي كثيراً، فنجدها حكايا من خيال لا تخلو من الواقع في الكثير منها، وهي متجذّرة بطفولتنا، كقصة سندباد، وقصة علاء الدين والمصباح السحري، والبعض من قصص ألف ليلة وليلة.. وهكذا نرى أن الخرافات الّتي آمن بها العرب على مدى العصور، كانت كثيرة ومتعدّدة، فمنها ما كان دينياً، ومنها ما كان اجتماعياً، ومنها ما كان ثقافياً، وقد اعتقد أهلها بصحتها، وتناقلتها الألسن وهكذا إلى التاريخ الّذي نحياه اليوم .. ولكن يبقى الأساس فيها وباستمرارها واحد، ألا وهو الجهل، وضعف التعليل العقلي للأمور، والنظر العارض الخاطف إليها، دون التعمّق في التفاصيل، فتربتنا العربية منذ النشأة مرشوشة بسموم الأكاذيب، فكيف يمكن للنبتة أن تنمو، وللزهرة أن تتفتّح قبل أن يتمَّ حرث الأرض، وتقليبها؛ للتعرّض لشمس الحقيقة، وتتطهر؟ والبراعم لا بدّ أن تحيا ندية نقية من جهل الموروثات، وأجيالنا أمانة، وهم المستقبل.

العدد 933 - 28/10/2020