القانون رقم 7 في شرق سورية.. قانون أم فرمان عسكري؟


صفوان داؤد:
أصدر المجلس العام في (الإدارة الذاتية) لشمال شرق سورية قانوني (الرقابة العامة) ضمن القانون رقم 6 لعام 2020، وتعديلات قانون (واجب الدفاع الذاتي) ضمن القانون رقم 1 لعام 2019. إضافة إلى قانون (حماية وإدارة أملاك الغائب) ضمن القانون رقم 7 لعام 2020. والقانون الأخير يعرِّف (الغائب) بأنه (كل شخص يحمل الجنسية السورية، أو من في حكمه من مكتومي القيد المجردين من الجنسية السورية بإحصاء عام 1962، ويقيم إقامة دائمة خارج سورية، ولا يقيم أحد من أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية في سورية).

ورافق القانون 7 الكثير من الجدل، فهو يسمح للإدارة الذاتية بمصادرة أملاك المدنيين والاستفادة منها، ويزرع ضمن بنوده بذور استمرار التوتر وتأجيج النزاعات بين المكونات المجتمعية للشرق السوري، لعدم شموليته واستنسابيته. ويقول ماهر التمران عضو (جهاز الرقابة العامة) في دفاعه عن هذا القانون، إنه يهدف إلى (محاربة أصول الفساد ومسبباته على نحو جذري). معتبراً أن المجلس الذي أصدر القانون ليس جهازاً تنفيذياً، إنما هو جهة تصدر اقتراحات وتوصيات لمحاربة أوجه الانحراف في المؤسسات الإدارية، ورسم سبل إصلاحها.
غير أن الانتقادات الشديدة والمخاوف التي أبداها أهالي الشرق السوري، من الانعكاسات السلبية لهذه القانون على الحقوق العامة للمدنيين القاطنين أو الغائبين عنه، دفعَ القائمين على إصدار هذا القانون إلى تعليق العمل به بعد أيام قليلة من صدوره. وقالت (الإدارة الذاتية) إن تعليق القانون جاء بعد اللغط الحاصل بين النشطاء والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني وعموم المغتربين من أبناء شمال شرق سورية وانتقاداتهم الشديدة له. ولم تمانع (الإدارة الذاتية) من حيث المبدأ إعادة النظر فيه وإعادة صياغته. وتعتبر هذه خطوة جيدة من قبل هذه الادارة لكنها لا تكفي حكماً، إذ ينبغي إلغاء هذا القانون بالكامل. وإذا كانت (الإدارة الذاتية) مُهتمة فعلاً بمصلحة المواطنين السوريين من أبناء الشرق السوري فيجب عليها إشراك ممثلين عن المواطنين من أهل هذه المنطقة وممثلين عن أسر المفقودين والغائبين، وطلب خبرات أكاديميين وحقوقيين في إعادة صياغة هذا القانون مع الأخذ بعين الاعتبار إبقاء قضية الممتلكات والحفاظ عليها وحق العودة للغائبين فوق الاعتبارات الحزبية والسلطوية الآنية.
لكن من غير الواضح إلى أي مدى تملك (الإدارة الذاتية) الإرادة اللازمة لتعديل هذا القانون، فقد أكد عدد من الأكاديميين والحقوقيين أن قراءة دقيقة للنص تُظهر أن القانون والغرض منه مختلفان تماماً عمّا تدّعيه هذه الإدارة من أن هذا القانون يهدف إلى الحفاظ على الممتلكات وحمايتها. ويقول عدد من المواطنين المتضررين إن هذا القانون يخاطر بحرمان أصحاب المُلك من الغائبين من حقوقهم المصونة بالأحكام الأساسية للقانون المدني وقانون الأحوال الشخصية السوري، وكذلك بحسب القانون الدولي، فالمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف، تنص على أن تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها هو انتهاك جسيم ويرتقي إلى مرتبة (جرائم الحرب) ولأن العديد من الموطنين من سكان وأبناء هذه المناطق قد هاجروا أو لجؤوا أو نزحوا، فهم في حُكم المجبرين على ترك ممتلكاتهم. وللمفارقة تتعامل (الإدارة الذاتية) مع هؤلاء الغائبين كما لو أنها كيان سياسي معترف به دولياً، مُفترِضة أن المواطنين السوريين من أبناء شرق سورية قادرون على متابعة شؤونهم القانونية خارج سورية دون الذهاب إلى سفارات الجمهورية العربية السورية المعتمدة حالياً حول العالم! وهناك العديد من النقاط غير الواضحة والتي تفتح المجال للتلاعب بحقوق المُلّاك، أهم هذه النقاط هي أن هذا القانون لا يعترف بالمفقودين. ولا يتعامل مع أقاربهم من الدرجة الأولى والثانية ممن يعيشون في البلد، وكما هو معروف، ونتيجة الحرب السورية مايزال هناك الآلاف من المفقودين. وتنص المادة 10 من هذا القانون على وضع ريع أملاك الغائب في خدمة تنمية المجتمع بدلاً من ورثته. كما وتفرِض المادة 15/البند آ الغريبة شكلاً ومضموناً على إلزام الغائب العائد لسورية الإقامة لمدة سنة في الحد الأدنى حتى يحق له التصرف بأملاكه، وهذا يرتقي إلى الإكراه المقونن بين فرض الإقامة الجبرية على صاحب الملك أو حجز أملاكه، ومخالفة صريحة لحق الملكية المصون بالقوانين والأعراف المحلية والدولية.
من حيث المبدأ تصدر القوانين من جهةٍ مؤسساتية شرعية تكون عادةً من برلمانات منتخبة أو هيئة تأسيسية شرعية أو رئاسية. ولا يكفي هذا إذ لا بد أن تخضع هذه القوانين للدراسة والنقاش ثم يُصادق عليها من قبل سلطة عليا أو سلطةٍ تنفيذية في البلاد. ما حصل في إصدار القانون رقم 7 من قبل (الإدارة الذاتية) أنها لم تتبع تلك الأصول، فكان القانون حرفياً مماثلاً لفرمان عسكري صادر عن سلطة الأمر الواقع. ولابد من اعتبار أن هذا القانون بشكله الحالي او أي قوانين أخرى شبيهة لها تم إصدارها من مناطق سورية الأخرى مرفوضة تماماً. إذ لا بديل عن حقيقة أن حلّ مشاكل الملكية بطريقة عادلة ومحقة هو أهم الأسس لإرساء السلام وعودة الوحدة الوطنية إلى البلاد.

العدد 928 - 23/09/2020