التراث الفني وزمن العولمة

وعد حسون نصر:

غابت الكلمات بلحنها الجميل، وانصهرت الحروف بنار الاستهتار من جيل خرج عن لوعة الحب بكلماته المُنمّقة ليدخل سرداب الكلمات المبتذلة براب قال إنه يحاكي الواقع، فلم تعد الأغنية تنادي الشوق للحبيب الغائب المسافر، ولا تهمس بالدعاء للابن الضائع خلف البحار طالباً لقمة العيش، ولا حتى الحنين للأخ والأخت المشردين في أصقاع الأرض لطلب الرزق أو العلم أو الحياة الأمنة، حتى الشعر الغنائي بات طفرة في زمن الأزمات وصُنّاعه من شعراء باتوا خارج التفعيلة والشطر لم يقف على حروف الهوى، ولوحتنا لم تعد تحمل وجوه أحبابنا، وذكريات أمجادنا باتت تحمل خربشات فنانين جرّدوا الأمور عن واقعها وصبغوه بالأحمر والأصفر والأسود الدّاكن. تسلّق رواد الفن الهابط جدران صفحات الانترنت تحت مُسمّيات عديدة من مطربين وشعراء ورسامين، وهنا غاب اللّحن الجميل بوتر العود وصوت الناي ليحلّ نشاز الأورغ بكبسة واحدة تصدح لها أصوات( دبيكة) فرضها ازدحام المكان وعجقة الألحان.

بتنا نصعد السيارة العامة والحافلات فلا نسمع إلاّ صوت الطبل والزمر وكلمات مبتذلة بعيدة عن أخلاقنا وذائقتنا وعن مجتمعنا، فأين الكلمات التي تحمل تراثنا، أين خجلنا في الحب فقد بتنا نسمع شتائم لا نسمع غزلاً..؟ أين نحن من زحمة الكلمات في الراب الذي استسلم له جيل كبير من الشباب تحت مظلّة محاكاة الواقع. ومع غياب اللّحن غاب الشعر وكثُر الشعراء فضاعت الكلمات في زحمة القوافي، وبات روّاد الشعر يغرقوننا في الهجاء!! لم نعد نعرف أنتهتِ التفعيلة بالراء أم بدأت بالألف، هنا غرق الشعر في بحر الظلمات فتهاوى الواقع وحلّت بدلاً عنه الترّهات، لم نعد نسمع من البطولات إلاّ الهرطاقات، وقرع السيوف بالشعر صار للإغراء، والملاحم باتت تجود بها مناسف الوجهاء، وهنا عاد للبلاط مرتزقته الذين يتحدّثون بلغة السفهاء!!! أين الشعر والمُعلّقات، أين الجداريات، وأين رثاء الخنساء؟؟ ضاعت التفعيلة وسقط حرف الضّاد وكثُر الشعراء في زمان الفقاعات، اللّوحات غابت عنها وجوه جديدة، والفساتين البيضاء وأفراحنا ونجاحنا وقبّعات تخرّج الاطباء لتُصبغ بمليون لون ومربع ودائرة..!!! فقط لنقول هنا الواقع جردناه وما عليك أيها النّاظر إلاّ تركيبه لربما ترى بين ألوانه وجه جدّك وبقايا تنورة جدّتك، فلا تلوم نفسك لأننا خُنّا التراث، خانوه روّاد الإعلام الزائف وجماعات الصفحات الصفراء لينتج جيل لا يعرف من تراثه إلاّ الراب، وحتى الشعر لم يعد الجيل يعرف منه إلاّ كلمات السفهاء، الحب ضاع بين الشطر والصدر، وسقط بين الألف والياء، فلم تعد التفعيلة تُناجي الحبيب ولا تُنادي للغائب بالأشواق..!!!

بعد كل هذا الابتذال والهبوط بالفن والتراث، كم نحتاج لنرمّم أشواقنا فتنبض من جديد كلمات مزهرة ؟؟ كم نحتاج لنرسم لوحتنا بشريط الذاكرة فتظهر من جديد صور الأحباء ومتعة الذكريات؟؟ كم نحتاج للعود ونغمته وصوت الناي وحنين الآهات ولوعة الفراق نصيغها من جديد أغاني تلامس وتر القلب فيهيج شوقاً ؟؟

جميل هو التراث، والأجمل أنه برائحة الحب وعبق الذكريات وصور الأجداد وبساطة الحياة.. عودوا للكلمة، للّحن، للحب فهو خير من يصنع المجد ويكتب البطولات، وإن هبط الفن في هاوية النشاز يمكن أن نُعيد صياغته بترتيب الذكريات، وإن كان السفهاء سرقوا منّا اللّحن وعذوبة الكلمات، ومحوا من صدورنا نبض الآهات، فسنستعيدها بتنظيف آذان أبنائنا بنغمة عود وشطر من زمن أبي النواس، نجعلهم يعلّقونه لوحة وجدارية على جدار الشوق في جلّق لتُخبِرَ أننا مازلنا نحن الأحفاد نحفظ ذكريات الأجداد.. فلنعد لنرسم الشوق من جديد بألوان الحب بالواحات، ونعيد توضيب كلمات الأغنية وشعرها ولحنها فتكون كل كلمة من كلماتها قصة تخرج حروفها من آهاتنا الممزوجة بالحنين والمخبّأة للمستقبل، وبعدها نعيدها في ذكريات أبناء الأحفاد لوحة فسيفساء رائعة التنسيق، زاهية الألوان.

العدد 993 - 19/01/2022