الموروث الثقافي

غزل حسين المصطفى:

ليس لأنّي طالبة في قسم اللّغة العربيّة، وإنما لأني من عشّاق الشّعر العربي _ذلك الحب الذي قادني لاختيار فرعي الجامعي رغم مقتي لقواعد النحو والصرف_ أستلذُّ بالقراءة وأغوص بين المعاني والأبعاد، أقعد مع القصائد أتنشّق ريحاً لولادة مع ابن زيدون، يُضحكني الرومي حين يسخر فوصفه دقيق جميل، وتعبق بين أوراقي رائحة السُلافة التي يصفون ويشربون في مجلس الوليد بن يزيد والنّواس.
استوقفني منذ مدّة سؤال لأحدهم إذ يقول:( لماذا ندرس كلّ هؤلاء الشّعراء وسيرهم الذّاتية ونطوف في تفاصيل العصور على اختلافها، لا يعنيني الحمداني وعلاقته بسيف الدولة، ولا تهمّني حياتهم الاجتماعية والسياسية وتفاصيل بيئتهم)
فكّرت مليّاً، ليس في موضوع الشعراء والأدب والعصور(ودون النظر لحقيقة التذمّر الناتج عن كثافة المقرّرات)، بل في الكتب عموماً وكتب التاريخ على وجه الخصوص، مروراً بكبرى المتاحف القائمة على عرض آثار مُستخرجة ولوحات خالدة، بالمختصر فكّرت في موروثنا الثقافي سواء أكان المادي منه أو المعنوي.
فجاءت الإجابة لوحدها تمشي مُختالة بنفسها في ذهني، وقالت لي: لماذا حدّثك جدّك يوماً عن تاريخ عائلتك، والقبيلة التي تُنسبون إليها من قبل الميلاد؟!
لماذا يتحدّث البشر عن شجرة عائلة ويحرصون على كلّ ورقةٍ وغصنٍ فيها؟!
لماذا زرتِ المتحف الوطني وتُخططين لزيارة المواقع الأثريّة والمعالم السّياحيّة التّاريخيّة في المحافظات أو ربما العالم؟!
لا تقولي من باب الفضول والمعرفة فقط!
إنه التراث، هو صلة الوصل بين حاضر الإنسانيّة وماضيها ومستقبلها.
أول ما يسأل عنه الطفل_ربما_كيف ولد، أليس من المنطقي أن نحفظ لهؤلاء وغيرهم على إجابات لأسئلة قد توّلد عندهم عن أصول الأشياء أو ربما أصول البشرية وحقيقة التغيّرات والإنسلاخات التي أعطتنا الأشكال الحالية لكلّ شيء.
لا يمكن أن ننكر أن هناك أشياء أو تفاصيل موغلة في الدقّة قد تضيع، ولكن الإطار العام محفوظ، أو ربما قد يستغني التاريخ عن بعض أجزائه في عملية تحديث وحفاظ على الألق، ومن ضمن ميدانك سأقول كما غابت بعض القصائد الجاهلية لفحشها مثلاً، أو أخرى لقلّة دورها وأهميتها، أو كما هي الأطلال قد درست واستحالت في قصائد زمانكم، وبينما هي فيروز تُطلُّ على صباحاتكم في كلِّ يوم دون كللٍ أو ملل، وشغاف قلب أيِّ ذوّاق تطير طرباً حين تشدو العظيمة أم كلثوم(كنت بشتقلك وأنت هنا، بيني وبينك خطوتين…) لما فيها من حالة فنية غاية في الإبداع تُحاكي فخامة الكلمة والعزف وعِظم المسؤولية على عُرب المُغنّي وحباله الصوتيّة، بينما لو خُيّرت أقلام أصحاب الذوق في تسطير أغاني اليوم لنسفوها كلّها دون الوقوف لحظة.
مجرّد تكهّن لا يمكن أن يكون حكماً مطلقاً على الأغاني أو مختلف الفنون والمكوّنات الأخرى للموروث.
لذلك عزيزتي الموضوع لا يتعلّق برفضٍ أو قبولٍ شخصي، القضية أكبر من ذلك.
ختمت الإجابة حديثها وتركتني إلى نفسي أعيدُ ترتيب ما تُلي على تلافيفي المُخيّة وأسأل نفسي تُرى من المسؤول عن قرار الحفظ من عدمه؟!
أهي عظمة الأشياء أم شدّة فعّاليتها في التاريخ والمحيط؟
وبقي السؤال مفتوحاً علّ إجابةً أخرى تزورني وتحدّثني بما أريد معرفته.

العدد 993 - 19/01/2022