التكنولوجيا وتأثيرها على البطالة

وعد حسون نصر:

مع تقدم وتطور العلم أخذت التكنولوجيا تنمو وتتطوّر بشكل مثير للقلق، ممّا جعل الآلات الإلكترونية تدخل في صناعة كلّ شيء تقريباً، فضلاً عن تدخّلاتها الكثيرة في حياتنا اليومية من ظهور الإنسان الآلي الذكي الذي لا يختلف عن الإنسان العادي من حيث العمل، فكلاهما ينجزان الأعمال ذاتها وربما يكون الآلي أقدر من الإنسان العادي على امتلاك كفاءة أكثر وجودة أفضل، كما ظهرت في الآونة الأخيرة سيّارات من دون سائق.

هنا لابدّ أن نرى تنحي الكثير من الأيدي العاملة عن مجال عملها لوجود من يقوم به ربما بشكل أفضل، وذلك بسبب تطور التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه أدّى هذا التطور إلى توفير العديد من الوظائف للعاملين الخبراء في هذا المجال، ومن هنا لابدّ أن تكون التكنولوجيا سبباً أوّلاً لزيادة نسبة البطالة في العالم. صحيح أنّ الآلات الإلكترونية تعمل بدقّة وجودة أكثر من اليد العاملة وربما أيضاً بسرعة أكبر وتخرُج بنتائج أفضل من السابقة، إلّا أًنّها جعلت العالم يستغني عن كثير من الشباب والعاملين، طبعاً هذا التطور طال دول الغرب أولاً وبعض الدول العربية ذات الطابع التكنولوجي ورواد العولمة (كدول الخليج).

فمن الطبيعي بعد تطور العلم وتقدّم الحضارات، إضافة إلى ظهور وسائل العولمة المعروفة، أن نشهد ثورة في مجال التقنيات العلمية والتكنولوجيا، إلاّ أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مدى تأثير هذه المجالات علينا نحن السوريين كأشخاص ومؤسّسات وخاصةً في مجال البطالة؟

لا أظن أننا من الدول التي زاد التطور التقني والتكنولوجي من نسبة البطالة لديها، لأننا للأسف مازلنا نلملم جراحنا بعد الحرب لننهض من جديد، البطالة لدينا كانت بفضل الحروب وسوء التطور وشحّ المقومات الأساسية في سير منظومة العمل وخاصة الطاقة الكهربائية، وعدم الاختيار الصحيح لرفد سوق العمل بكوادر تمتلك الخبرة، كذلك جاءت البطالة المتفاقمة لدينا من خروج الكثير من المصانع والمعامل عن الخدمة بفعل الحرب وبسبب سيطرة الجماعات الإرهابية على مناطق من سورية.

 لا يمكننا بحال من الأحوال أن نتجاهل أن الآلة وفّرت الجهد وسرّعت وتيرة العمل واختصرت الوقت، لكن في الوقت نفسه لا ننسى أن أغلب معاملنا مازالت تعتمد على اليد العاملة، وهذا لأنها خارج مجال التطور والحداثة بالمعدات والآلات، وبالتالي على الرغم من أننا لاحظنا أن التقدم التكنولوجي ساعد  في الماضي على رفع دخل الأغلبية، يجب ألاّ ننسى أن التحولات التي تطلبها بالنسبة للعمال والشركات والقطاعات الاقتصادية كلها كانت صعبة على الكثيرين، ولعلّ موجة الابتكار التكنولوجي في هذه المرحلة وخاصةً مع جائحة كورونا وتوجّه العالم للآلة أكثر من الإنسان ستكون أكثر إرباكاً من الموجات السابقة، وخاصةً بالنسبة للعمالة وما يتعلّق بالأجور الحقيقية، ولكي تتجاوز الدول مشكلة البطالة الناجمة عن التطور والتقدم التكنولوجي، لابدّ لها من التوجه إلى سياسات تُسهّل إعادة توزيع العمالة وتقصير فترات تعطلها، كما نلاحظ أن هناك مؤسسات قوية في سوق العمل تجتمع فيها مرونة قواعد التعيين والتسريح مع سياسات سوق العمل النشطة الشاملة وشبكات الأمان الاجتماعي السخية نسبياً، وهذا النظام ناجح عموماً في التوفيق بين عرض العمالة والطلب عليها، وبالتالي هذا بمفرده قد لا يساعد العمالة الأقل استعداداً للاستفادة من التغيير، فالناس يحتاجون إلى سياسات تتيح لهم الفرص، وبناء رأس المال البشري عامل أساسي، لذلك لابدّ من العمل على الدمج بين الإنسان والآلة ليُكمّل كل منهما الآخر بالعلم والتطور، فالإنسان يصنع الآلة وهي بدورها تُسخّر لخدمته.

بالنسبة لنا في سورية فنحن مغيّبون نوعاً ما عن سيطرة الآلة على حياتنا وخاصةً في القطاعات العامة التابعة للمؤسسات الحكومية، واعتمادنا بشكل كبير على اليد العاملة، ومع هذا نعاني من بطالة وشحّ في هذه اليد، وعلى الرغم من التطور الذي شهدته معامل حديثة من إدخال آلات ذكية توفّر الجهد والعمل والوقت إلاّ أننا مازلنا نعتمد على الإنسان العامل الأساسي الذي يدير هذه الآلة، وهنا نرى أن البطالة لدينا لم تدخل مع دخول الآلات الحديثة سوق العمل، لأنها موجودة تلقائياً نتيجة الحرب وكذلك بسبب غياب البنية التحتية ومقومات العمل من طاقة كهربائية ووقود باعتبارهما عصب الحياة وخاصة في الاقتصاد. كذلك بقاء البعض على رأس عمله رغم تقدمه بالسن متناسياً أن جيلاً كاملاً من الشباب خارج مسار العمل ويعاني من بطالة، وعلى الرغم من رؤية البعض للتطور والتقدم التكنولوجي بأنه يسهم بنسبة كبيرة في غياب اليد العاملة ورفع نسبة البطالة، إلاّ أنه يمكن أن يتكامل العلم مع التكنولوجيا مع اليد العاملة لخلق فرص جديدة بسوق العمل، ونكون هنا قد استفدنا من الحداثة لنصنع تقدم ونسرّع في الوقت ونزيد إيرادات الاقتصاد لنقضي على العجز والفقر.

العدد 921 - 29/07/2020