بطالة إلكترونية

غزل حسين المصطفى:

(الثّورة الرّقمية جعلت أشياء كثيرةً لم نكن نتصور حدوثها قبل عدة سنوات أمراً ضرورياً.
لا يمكن أن نتخيّل حياتنا من دونها اليوم… باختصار يمكن القول إن الإنسان أصبح عبداً للتكنولوجيا بكل ما تعنيه كلمة عبد من معنى).
لطالما بقيت هذه المُقدمة تتردّد لسنوات عبر الشّاشات الفضائية خلال بث حلقات إحدى الأعمال التّلفزيونيّة السّوريّة (ضيعة ضايعة) وفي كلِّ مرّةٍ أقفُ عند الأسئلة ذاتها: هل فعلاً أصبح الإنسان عبداً للتكنولوجيا مثل من أعدّ حبل مشنقته بيده؟!
هل تحوّلت التّكنولوجيا من شريانٍ في جسد الحياة إلى كونها الجسد والرّوح بل وهيكل الحياة؟!
هل فعلاً خلقنا الأجهزة بأيدينا فأقصتنا عن العمل ووسّعنا دائرة البطالة؟!
هل تلك الثّورات الصّناعية المتتالية، والثّورات الرّقمية، مجازرُ كنّا نحنُ ضحاياها؟!
وإن كانت كذلك كيف ننجو؟

أولاً سأقف عند الثورة الصناعية الأخيرة التي تمثّلت في تطوير تقنيات النانو، الطّباعة ثلاثيّة الأبعاد، والحوسبة… وغيرها، وما سبقها من الثّورة الصّناعيّة الثالثة في القرن العشرين، الّتي خلقت لنا جهاز الحاسب الآلي والإنترنت.
فقد تحولت إلى شمّاعة يُعلّق عليها المجتمع عموماً أو الحكومات، على وجه الخصوص، الأسباب في ارتفاع معدلات البطالة ضمن البلدان تحت ذريعة (التّحكّم الآلي بالصناعة من شأنه أن يُقلّل ويُقلّص فرص العمل لليد البشريّة).
من موقعي، بوصفي من هذه الشعوب، وقد أصير يوماً ممّن حُكم عليهم بالبطالة تحت مختلف التّبريرات، أسأل سؤالاً قد يتوصل إليه أيّ كائن حلّل المعطيات وقرأ الوقائع:
أليس من المفترض أن يخلق التطور ووجود الآلة والتجهيزات وسرعة الإنتاج وجودته… مردوداً ماديّاً مُضاعفاً يُوزّع على الجميع بما يُقلّص عدد ساعات العمل الأسبوعية؟!
وعلى الرغم من أن هذا التّطور فرض علينا مُسمّيات جديدة للبطالة، إذ عهدنا مسبقاً (البطالة الموسميّة، البطالة الإجبارية، البطالة المؤقتة…) أمّا اليوم فهناك بطالة إلكترونية.
فالتطور الذي باتت مُتطلباته كثيرة لشغل منصب معيّن، أو أنه استبدل باليد العاملة الروبوت والآلات، قد خلق على الضفة المقابلة فرص عمل تناسب التحديثات الأخيرة، إذ بات يلزمنا مهندس اتصالات، مهندس شبكات، مهندس تقانة معلومات، مسوّقاً إلكترونياً، مكتب خدمة العملاء عبر الإنترنت…)، كذلك تتبع تلك الآلات احتياجاتها لورش صيانة، وفني مراقبة، وعقول بشريّة تواكب التحديثات (لحظة بلحظة) وتُصيّرها إنجازاً ملموساً على أرض الواقع.
إذاً، صحيح أن الآلات والتكنولوجيا قد غيّرت وجه الحياة الصناعية والعملية، ولكنه تغيير مؤقّت نظن من خلاله أن الفرص باتت معدومة وأن البطالة ستكتسح العالم_ لا يمكن أن ننكر أنها قلّلت الشواغر ربما أو بعبارة أصح حدّدت المهام_ لكنّه مجرّد تغيير سنتأقلم معه بعد مدة زمنيّة قصيرة، بعد أن نقرأه بدقّة وندرك المفاصل التي سنتخلّلها ونكون جزءاً من هذه العمليات، إلاّ لمن قعد عن تطوير مهاراته وفنون تعامله مع آخر المستجدات فيبقى حبيس كلمة (بطالة).

العدد 937 - 25/11/2020