التطوّر التكنولوجي وتأثيره على المهن المستقبلية.. ماهي المهن التي ستُصبح من الماضي؟

أنس أبو فخر:

إن حالة التطوّر التكنولوجي شبيهة إلى حدّ ما بموج البحر، فهي تأتي على شكل مدّ وجزر، أي أنها تأتي على دفعات لتُغيّر شكل الشاطئ، مثلما تأخذ ما عليه من أشياء وتضع أشياء جديدة، والإنسان منذ ما قبل الثورة الصناعية التي تلتها الثورة التكنولوجيّة كان يمرُّ بمراحل التطور وينتقل من شكل إلى آخر، فاكتشاف النار غيّر شكل حياته، ثم الكتابة والزراعة وتدجين الحيوانات وصولاً إلى الآلة الكاتبة التي كانت ذات تأثير واسع النطاق على بداية حقبة زمنية جديدة، أصبحت فيها الآلة أكثر فعلاً من الإنسان وأكثر قدرة على العمل.

هذا ما جعل الحياة تختلف في كل قرنٍ عن سابقه، ذلك أن شكل الحروب تغيّر من السيف إلى البندقية وإلى ما نحن فيه اليوم من تقدم هائل على هذا الصعيد، كذلك النقل والسفر والبناء من الحجر إلى البيوت التي أصبحت اليوم تُصمم بتقنية ثلاثية الأبعاد دون الحاجة لبنّاء، وبالتالي انقرضت الكثير من المهن كصناعة السيوف وصقلها وسائسي الخيل والعديد من المهن التي أصبحت تراثاً نراه في المسلسلات التاريخية والمتاحف.

وبالعودة للخلف قليلاً، ثمّة الكثير من المهن والحرف التي أصبحت وبفعل التطور الفكري والتقني لدى الشعوب ذكريات وأيقونات تراثية، والتي كانت ذاتها في السابق مهناً يكسب الفرد منها دخلاً ومعاشاً مرضياً، كمهنة الحايك التقليدي والنول اليدوي والعديد من المهن الأخرى مثل مهنة (الحكواتي) هذه المهنة البسيطة التي بدأت بالزوال تدريجياً مع دخول السينما على الساحة، ومن ثم التلفاز الذي أيضاً جعل الإقبال على السينما في تراجع، كذلك الهواتف المحمولة ذات الأنظمة التشغيلية الذكية وما فيها من مواقع أدّت إلى تراجع الإقبال على التلفاز. كذلك مهنة (ساعي البريد) التي بدأت بالزوال مع وصول الحواسيب والبريد الإلكتروني ومن ثم المراسلات الإلكترونية عبر الهواتف المحمولة وانتهاء ببرامج التواصل الاجتماعي.

التطوّر التكنولوجي وسوق العمل

أعتقد أن التطوّر المستمر في الوسط الصناعي له فوائد كبيرة جداً للشركات ورؤوس المال وما يتبعها من مؤسسات، ذلك أنه قدّم لهم العديد من الوسائل التي ترضي جشعهم التجاري والاقتصادي، والذي هو حق طبيعي لهم، كذلك تقنيات الذكاء الصناعي ودخول الروبوتات (التي تعني حرفياً العامل المغصوب، والتي أصبحت تُطلق على الرجال الآليين) ساحة العمل خفّف العبء بشكل كبير عليهم، يستطيع الروبوت العمل لمدة أطول قياساً بالإنسان بلا كلل أو تعب، ويصل معدل العمل بشكل متواصل لما يقارب 20 ساعة متواصلة وهذا رقم كبير جداً، كما أنه يتحمّل كل أجواء العمل ومخاطره، ولا يخشى مالكه أن يتعرّض للأذى كتعرّض الإنسان العامل له، إضافة إلى أنه لا يطلب راتباً شهرياً وهذا من أبرز ما يصب في صالح مالك العمل، ففي أحد المستودعات الإماراتية استطاع مالك الشركة شراء 40 روبوتاً فقط، وفي حديث له عن الفارق بين الروبوتات والعمّال البشر قال إن هذه الروبوتات تعمل لمدة 23 ساعة، وتحتاج لساعة واحدة في اليوم لتقوم بشحن ذاتها بشكل تلقائي، وهي ذات ذكاء اصطناعي عالي لأنّها تحمل حسّاسات قوية تستطيع تتحسس أي جسم قد تصطدم به، إضافة لاستطاعتها حمل أوزان أكثر من الإنسان وبتكلفة مجانية من حيث الأجور، كما قام بمقارنة لو أنه استبدل عدد الروبوتات بيد عاملة لكان سيحتاج لأكثر من 600 عامل ليقوموا بفعل ما يفعله الأربعون روبوتاً.

ولهذه الأسباب قامت شركة Google عام 2018 بالاستغناء عن قرابة 47% من اليد العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية، ممّا فاقم في إنتاجها الاقتصادي لتوفيرها الأجور الكبيرة التي كانت تدفعها للموظفين، إضافة إلى زيادة ساعات العمل فيها مقارنة بما كانت عليه، هذا الأمر الذي لا يصبّ في صالح البشر وخاصة الشباب، لأنه يرفع نسبة البطالة بشكل أكبر ومتسارع، ويُهدّد الكثير من المهن خاصة تلك التي تعتمد على الخوارزميات والنقل والتصميم وغيرهم، ويؤدي إلى تناقص فرص العمل في السوق ممّا يُجبر الكثير من الخامات على تغيير عملها بغير اختصاصها فقط لتتمكّن من المحافظة على دخلها الشهري.

وظائف على حافة الهاوية وبعضها إلى زوال

في حين أن أمواج تطور الذكاء الصناعي في ارتفاع مستمر، هناك العديد من المهن باتت موضع قلق وعلى حافة الهاوية، وعلى رأس هذه المهن السائقون، فقد تمكّنت شركات السيّارات والمركبات الثقيلة مثل BMW وغيرها من صناعة سيارات آليّة القيادة ومنها سيارات الأجرة وحافلات النقل والشاحنات، التي بدأت تقرع أبواب سوق العمل بقوّة، ذلك أنها مزوّدة بذكاء اصطناعي لافت ممّا يجعلها أقلُّ عرضة لحوادث السير، والكثير من الميّزات التي قد تنقذ المارّة وتكون أكثر مرونة وقدرة على تلبية متطلبات الركاب من حيث الأمان والالتزام المروري.

وقد تمكّنت اليابان من خوض تجربة ناجحة جداً في هذا الميدان وتُشير التوقعات إلى أن اليابان ومع حلول عام 2030 ستصبح وسائل النقل فيها بشكل كامل ذاتيّة القيادة، كذلك الحال في الإمارات العربية المتحدة لأن 30% من المواصلات فيها ستكون ذاتية القيادة مع حلول عام 2030، وكذلك في مدينة (نيوم) في السعودية التي يتمّ العمل على أن تصبح كامل المواصلات فيها ذاتية القيادة، وهذا الأمر ينطبق على مهنة الملاحة الجوية والبحرية، أيّ أنّ مهنة السائق والقبطان والكابتن ستصبح تراثاً ومهنة من الماضي.

كما أن هناك الكثير من المهن التي قد يطول الحديث عنها، حتى على الصعيد الطبي سيكون للروبوتات دور هام في الأعمال الجراحية ومساعدة الجرّاح عوضاً عن الممرضين مثلاً، كما على الصعيد الاستثماري والزراعي، كذلك الحال بالنسبة للمهن المتعلّقة بالمجهود الجسدي للإنسان، والتي أخذ مكانها الروبوت كما تحدثنا سابقاً، مثل عمّال مصانع السيارات والمركبات على سبيل المثال، والمهن التي تعتمد على الحسابات والخوارزميات مثل المحاسب والصيدلاني والنادل، كذلك قد نشهد مع هذا التطور زوال المهن والوظائف المتعلقة بمكان العمل بعد دخول المؤسسات والجامعات والمعاهد الافتراضية مثلاً، فقد ينتهي دور الموظفين بشتّى مسمياتهم وهذا ما كان واضحاً في الحجر الصحي بسبب وباء كورونا، فقد مالت كل الجامعات والشركات للعمل الافتراضي الذي لا يتطلّب وجود كادر من الموظفين.

وظائف ومجالات ستُخلق في المستقبل لتواكب هذا التطور

لا يمكن القول إن التطور سيُفاقم البطالة وقد يكون كارثة على البشر والعنصر العامل، لأنه إذا راجعنا المهن التي جعلها التطور التكنولوجي من الماضي، كان قد خلق بدائل عنها أكثر ملاءمة لواقعه، فمن أهم المجالات التي ستكون ضاربة في المستقبل كل ما يتعلّق بلغات البرمجة والتقانات، والمجالات الصناعية التي تُصنّع الروبوتات، إضافة لصيانتها، كذلك ستوفر فرص العمل عن بعد في المجالات التي تحتاج للعنصر البشري كلغة تواصل وإقناع، إضافة لتخصصات الهندسة المعلوماتية والهندسة الميكانيكية وعلوم الإدارة، ذلك أن علوم البيانات أصبحت تسمّى (نفط المستقبل)، ولكن في المقابل بقدر ما ستقضي التكنولوجيا على فرص عمل سنشهد عمّا قريب الكثير من المهن والتخصّصات التي ستكون ناتج هذا التقدّم والتي كنّا نراها محض خيال، وهي تصب في مصلحة تطور المجتمع وآليّاته، إذ يُتوقّع أن هذا التقدّم سيقضي على ما يقارب 70 مليون وظيفة مقابل أنه سيخلق 170 مليون وظيفة، وعلى الأرجح أن الأجيال القادمة ستعمل في مهن ووظائف لم تُخلق بعد!

العدد 921 - 29/07/2020