احفر قبرك بيدك!

إيناس ونوس:

غير راغبٍ في الذَّهاب إلى بيته، ظلَّ طوال اللَّيل يتنقَّل من مكانٍ إلى آخر، مستعيداً مراراً وتكراراً الصُّور التي تتالت أمام ناظريه، محاولاً التأكُّد من أنها ليست مجرَّد ذكرياتٍ أو تخيُّلات.

أخذ يدور في مركز عمله وأبحاثه من ركنٍ إلى آخر، فهذه الليلة هي آخر ليلةٍ له هنا، ابتداءً من الغد سيجلس في بيته ولن يعود إلى هذا المكان أبداً.

رغب أن يستعيد كلَّ الأيَّام والتَّفاصيل التي عاشها هنا على مرِّ أعوامٍ طويلة، فما إن ولج أول مكانٍ دخله في ريعان شبابه وبدأ العمل فيه، حتى استعاد تلك اللَّحظات الأولى وكيف بدأ. انتقل إلى غرفةٍ مجاورة، ووقف مواجهاً لأوَّل روبوت صنعه بيده، مرتعشاً مجدَّداً تك الرَّعشة التي عاشها حينما تلقَّى هذا الصَّنم أول التَّعليمات وبدأ بتنفيذها. يومئذٍ، شعر بأنه قارب أن يكون إلهاً، واستذكر الاحتفال الذي أقامه مسؤولوه على شرفه احتفالاً بهذا النَّجاح العظيم، لم يكن يعلم أنَّ تلك اللَّحظة ستقوده إلى نهايته وكأنه لم يكن أصلاً… مسح دمعةً سقطت بعد أن كابدها كثيراً، وخرج ليدخل مكاناً آخر، يضمُّ ما هو أكثر تطوراً وتقنيةً، مرَّر راحة يده على كل ما وقعت عيناه عليه، وكأنَّه يودِّعهم كمن يودِّع أبناءه وهو يعلم أنه لن يراهم بعد اليوم… استكمل جولته، مستعيداً نشوته التي كانت تكبر مع كلِّ تطوُّرٍ وإنجازٍ كان يحقِّقه في هذه الأماكن، إلى أن وصل أخيراً إلى مكانه الذي تلقَّى فيه النَّبأ الذي لم يخطر بباله يوماً.

أمسك بورقةٍ كان قد تركها على ذاك المكتب، وأعاد قراءة كلِّ حرفٍ، لعلَّه يجد ما يشير إلى أي خطأ فيما فهمه وتمَّ إخباره به، لكن… لا مفر، الأمر واضحٌ وضوح كلِّ ما هو موجودٌ في هذا المكان برمَّته: (نشكر جهودكم التي قمتم بها على مدار السَّنوات السَّابقة، يمكنكم الذَّهاب إلى المحاسب لتأخذوا مكافأة نهاية الخدمة)!

من كان يخطر بباله أن نجاحه في عمله وترقِّيه من منصبٍ لآخر مع كل إنجازٍ جديدٍ سيكون السَّبب في نهايته؟

هذا ما فعله الإنسان البشري بنفسه، سعى طيلة حياته للمزيد من التَّطور التِّقني والتُّكنولوجي والعلمي كي يتمكَّن من السَّيطرة على مختلف قوى الحياة، وإيجاد العون في بعض الأعمال الخطرة على البشر، والتَّخفيف من الأعباء المادية الباهظة التي يتقاضاها الإنسان للقبول بالقيام بتلك الأعمال، إضافةً للقيام بالعديد من التَّجارب التي لا يمكن القيام للبشر القيام بها، والتي من شأنها أن تعود بالنَّفع عليهم، غير أن الآية انعكست، فجشع الإنسان وطمعه بالمزيد أدَّى به في نهاية المطاف لأن تنقلب عليه هذه الكائنات التي خلقها بيده وفكره وعلمه، لتحلَّ محلَّه وتأخذ منه كلَّ شيء، حتى إمكانية تطويرها أو تحديثها، مع بقاء كلِّ شيءٍ بيد حفنةٍ قليلةٍ فقط ممَّن يتحكَّمون بهذا العالم، ما أدَّى بالكثير من النَّاس لخسارة أعمالهم، وعمل على ازدياد نسب البطالة البشرية مقابل الاعتماد على تلك الكائنات الآلية والمبرمجة.

للأسف، إن الكائن البشري هو الوحيد من ضمن جميع الكائنات التي عاشت على سطح هذا الكوكب، من سعى لنهايته بيده، وعمل ولا يزال على القضاء على كلِّ ما خلَّفه من قيمٍ ووجود، وكلُّ ذلك بسبب الجشع والطَّمع والرَّغبة بالمزيد، مهما كانت النَّتائج كارثيةً، وحتى لو كانت على حسابه هو نفسه، وهذا ما يحدث اليوم وما نعيشه في الألفية الثالثة من عمر البشرية رغم كلِّ التَّطور الذي تحياه، مؤكِّداً الحقيقة الوحيدة التي نستخلصها بعد كلِّ ما جرى ويجري، بأنَّه عدوُّ نفسه قبل أن يكون عدواً لغيره.

العدد 921 - 29/07/2020