فيروس (التكنولوجيا) يجتاح أشكال العمل وأنماطه

إيمان أحمد ونوس:

كان تطور البشرية، منذ أن وُجِدَ الإنسان على سطح الأرض، أمراً طبيعياً وحتمياً بفعل تطور مدارك هذا الإنسان ووعيه ومعارفه وتنوّع احتياجاته على مرّ الزمان، لكن الأمر غير الطبيعي وغير المنطقي هو أن يقضي الإنسان على ذاته وإنسانيته بما امتلكه وأبدعه من علوم وتقنيات أقصته رويداً رويداً عن ساحة الحضور والفعل الإيجابي البنّاء الداعي لبقاء إنسانيته على قيد الحياة والحضارات.

معلوم تماماً للقاصي والداني أن ظهور العمل وتقسيمه أدّى إلى تطور وسائل الانتاج، ممّا قاد تلقائياً إلى حدوث الثورة الصناعية بمراحلها المتعددة استناداً إلى تطور مختلف العلوم التي ساهمت إلى حدٍّ بعيد في ظهور بوادر الثورة الصناعية الأولى مطلع القرن الثامن عشر مع اختراع الآلة البخارية، ثمّ تلتها الثورة الصناعية الثانية مع اكتشاف الكهرباء عام 1880 على يد أديسون وما تلاه لاحقاً من اكتشافات ترافقت مع ظهور النفط عملت جميعها على تغيير أنماط وأشكال العمل التي قلّصت إلى حدٍّ ما اليد العاملة البشرية دون أن تُلغيها تماماً. لكن، ومع ظهور ثورة التقنيات والمعلومات وصلت البشرية إلى الثورة الرقمية التي أضحى معها كل شيء على سطح الأرض مجرّد أرقام وشيفرات وبضمنها الإنسان، فقد أحدثت هذه الثورة زلزالاً معرفياً وعلمياً على مستوى العالم أجمع، العالم الذي أصبح بكلّيته بين أيدي الجميع في مختلف جهات الأرض من خلال ألياف ضوئية وشاشات وتقنيات كانت في الماضي خيالاً وحلماً بعيد المنال. لقد أحرزت ثورة الاتصالات انتصاراً باهراً بما أحدثته من تقارب بين عموم البشر في أربع جهات الأرض، ما عمل على تغيير نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الآخر وإلى كثير من المفاهيم والمعايير السائدة في مختلف مناحي الحياة واتجاهاتها، ومن ضمنها العمل الذي استغنى عن آلات كانت أساسية وسائدة إلى زمنٍ قريب حين حلّ الكمبيوتر مكانها بتقنيات أسرع وإنتاجية أعلى وأكثر تنوّعاً إضافة إلى تقليص الزمن لاسيما بعد ظهور الإنترنت الذي عزّز هذا الحضور، فانقرضت مهن كانت رائدة في مجال المراسلات والتواصل كالبرق والبريد وحتى الهاتف، ورحل ساعي البريد إلى غياهب الماضي السحيق، فالأجيال الحالية لا تعرفه مطلقاً بحكم سطوة البريد الإلكتروني والتقنيات المرافقة الأخرى لوسائل التواصل الاجتماعي.

وبالتأكيد كلنا يعلم أن الصحافة لم تكن استثناءً من هذا الواقع، فقد لجأت كبريات الصحف المشهورة إلى الصحافة الإلكترونية (بالتزامن مع النسخة الورقية) بهدف الوصول إلى أكبر عدد من القرّاء حول العالم بدايةً، وكان هذا مؤشّراً وحالة إيجابية مكّنت الكثير من المهتمين بالصحافة وموضوعاتها من تناول هذه الصحف بأسهل وأسرع الطرق، لكن مع ظهور الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 والتي ما زالت مفاعيلها مستمرة على مستوى العالم برمته، لجأت العديد من هذه الصحف إلى إلغاء النسخة الورقية بغية تقليص نفقات وأجور الطباعة والشحن والتسويق، وتقليص اليد العاملة في هذه المجالات أيضاً.

من هنا نتلمّس الآثار الكارثية التي طالت اليد العاملة في مختلف المهن والصناعات على مستوى دول العالم قاطبةً نتيجة تطور التكنولوجيا وسطوة ثورة الاتصالات منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم (لم تصلنا كبلدان عربية ونامية إلّا في وقت متأخّر من القرن العشرين).

قد لا نكون من البلدان التي ستتأثّر بشكل كبير بهذه الحالة لاعتبارات مختلفة، أوّلها أننا لسنا دولاً صناعية، إضافة إلى سيادة التخلّف العلمي والتقني ومختلف الأنشطة البشرية من صناعة وتجارة … الخ، إضافة إلى البطالة المقنَّعة التي نعيشها بحكم عوامل أخرى عديدة منها السياسات الاقتصادية المتخلفة وغير الممنهجة المُتّبعة في بلداننا، ما عزّز سلفاً نسب البطالة التي فاقمتها الحروب القائمة بمختلف تبعاتها، يضاف إلى كل ذلك سياسات الدول الكبرى ذات المصلحة في تلك الحروب في رفع تلك النسب مُعزّزة الفقر المُستشري في بلداننا أساساً. 

ولا شكّ في أنه كان لظهور فيروس كورونا وانتشاره الأثر البالغ والمُسرّع في زيادة نسب البطالة حول العالم بسبب الإجراءات الصحية التي اتخذتها كل الدول، والتي فرضت نمطاً جديداً من العمل أُطلق عليه (العمل عن بُعد)، لكن لا يمكننا أيضاً بحال من الأحوال أن نقول إن كورونا حالة طارئة وستنتهي، بل هو مرحلة انتقالية قاسية ومريرة على شعوب الأرض كافّة لا يمكن للعالم كلِّه وحتى المُتحضّر منه أن يعود إلى ما كان عليه قبل كورونا في مختلف المجالات وعلى مختلف الأنشطة البشرية المعهودة، ومنها آليات وأنماط العمل التي اتخذت اليوم وستتخذ مستقبلاً أشكالاً مُغايرة، سيتمُّ معها تقليص اليد العاملة إلى حدودها الدنيا، وبالتالي رفع نسب البطالة حول العالم إلى مستويات مرعبة ترفع معها نسب الفقر والجهل والعوز بمختلف أشكاله ممّا قد يُعيد الإنسان إلى بدائيته الأولى. لذا فإننا، ولا شكّ، نجد أنفسنا، كبشر، أمام تساؤلات مختلفة ومشروعة عن أهمية ثورة التكنولوجيا في حياة الإنسان ومستقبله.

العدد 937 - 25/11/2020