هل سنصل يوماً لنكون مجتمعات رقمية وهمية؟

ريم داود:

 يشعر كثيرون بالقلق والاضطراب نتيجة التقدم المُتسارع والتطور الهائل الذي يعيشه العالم بأسره. هذا التطور الذي فرض علينا كثيراً من الأمور التي ما كُنّا نتوقع يوماً أن تصبح من أساسيات حياتنا، فمن مذياع، إلى تلفاز، إلى حواسيب وهواتف نقّالة، وليس هذا وحسب، فالتكنولوجيا لن تقتصر على الآلات والأجهزة الحديثة، بل هي عملية شاملة تُعنى بالعلوم والمعارف، بهدف تطويعها لخدمة الإنسان.

إذا ما نظرنا بشكل سريع إلى المعنى الأصلي لكلمة تكنولوجيا نجد أنها مصطلح يوناني الأصل يعني دراسة المهارة بشكل منطقي لتأدية وظيفة مُحدّدة، فالتكنولوجيا هي التنظيم الفعّال لخبرات الإنسان من خلال وسائل منطقية ذات كفاية عالية، كما أنها جهد إنساني أو طريقة للتفكير في استخدام المعلومات والخبرات والعناصر البشرية وغير البشرية المُتاحة. وعلى الرغم ممّا ذُكر نجد أن هذا التطور والتقدم سلاح ذو حدّين، له من السلبيات ما له من الإيجابيات، ففي الآونة الأخيرة أصبح يتردّد على مسامعنا ما يُسمى (البطالة التكنولوجية) التي تمثلت بخلق آلات حلّت محل الإنسان، موفّرة باختراعها الوقت والجهد، لكنها في الوقت ذاته أدّت إلى بطالة اليد العاملة. فمن ذلك معامل الغزل والنسيج، ومعامل الكونسروة، والجرارات الزراعية… والأمثلة كثيرة على ذلك. وعلى الرغم من التسهيلات والخدمات التي قدّمتها إلاّ أنها أدّت إلى توقف الحرفيين العاملين في هذه المجالات، وجعلتهم عاطلين عن العمل باحثين عن مهن مختلفة. وكما ذكرنا فإن هذا التطور لم يقتصر فقط على الآلة بل طال قطاعات الصحة والتعليم، أي بعبارة أخرى طال جميع جوانب الحياة الانسانية ميُسّراً ومسهّلاً صعوباتها وعراقيلها، لكنه أيضاً خلق مشاكل وسلبيات كبيرة، ففي دراسة أُجريت حول استخدام الروبوتات في أمريكا تبيّن أنه مقابل عدد معين من الروبوتات تمّ الاستغناء عن ١٠٠ ألف عامل، كذلك هو الحال بالنسبة لدول عديدة، فقد طالت التكنولوجيا والمنظومة التقنية حياة الآلاف من الذين اضطّرهم هذا التطور لفقدان مصدر عيشهم.

وفي ظل هذا الموضوع لابدّ لنا من أن نُسلّط الضوء على جانب من جوانب التكنولوجيا الرقمية المتمثّل بالتعليم الإلكتروني أو ما يُسمّى بالجامعات الافتراضية، التي فرضت على المجتمع إيجابياتها وسلبياتها في الوقت ذاته. لقد قدّمت الجامعات الافتراضية فرصة للطلاب إذ منحتهم القدرة على التعلّم دون الالتزام والتقيد بوقت ومكان معيّنين، كما أنها جعلت التعليم والتعلّم مستمراً أي منحته الاستدامة. أيضاً خفّفت من عبء وضغط عدد الطلاب على الجامعات الرسمية، غير أنها في الوقت عينه حرمت الطلاب من التواصل المباشر مع المعلمين، كما أنها اقتصرت على التعامل مع الطلاب على أنهم أرقام.. فهل هذا ما نصبو إليه؟ وهل مخاوف البعض في مكانها؟ هل سنصل يوماً إلى مجتمعات رقمية وهمية؟ كل هذه الأسئلة تبقى علامات استفهام في انتظار المستقبل للإجابة عنها.

العدد 921 - 29/07/2020