الحرب والذهنية السردية

عباس حيروقة:

من البداهة هنا القول إن الحرب ومفرزاتها وتداعياتها في أية بقعة من العالم شكلت، ومازالت ولمدة طويلة استمرت لعقود، مادة خصبة للذهنية السردية الحكائية المجتمعية وعلى كل المستويات، فكيف إن تحدثنا عن الأدب من شعر وقصة ورواية و… الخ، الذي يشكّل كما هو معروف أيضاً المنعكس الحقيقي لواقع حياتي مجتمعي، إذ استطاع الأديب ومن خلال امتلاكه لقدرات وطاقات إبداعية تخيلية أن ينقل بعض ملامحها باعتباره أو من المفروض أنه ابن هذه الأرض الأكثر قدرة على الإصغاء لشهيقها وزفيرها وهو الصوت المدوّي لأبنائها المفجوعين.

ومما لا شك فيه أيضاً أن ثمة فيضاً من النتاجات الأدبية متعددة الأجناس طفت على السطح وانتشرت هنا وهناك ومن على منابر ثقافية عدة ما بين صحف ودوريات وإذاعة وتلفزيون قدمها الكثير الكثير من الكتاب والأدباء أو ممن يحسبون أنفسهم على هذه (الجماعة) ونتيجة الفوضى وعدم جعل الفنية والألق والإبداع هي المعيارية الأهم لنشر هذا المنتج وطباعة ذاك مما يكتب وطرحه تحت حجج واهية، بل ثمة معايير أخرى وواضحة ساهمت في تكريس الهشّ على حساب الجيد والجميل. وكما يقال العملة الرديئة تطرد الجيدة من التداول. لذلك قلناها وما زلنا نقولها: كم نحن بحاجة إلى أصوات نقدية نزيهة وجريئة ما زلنا نعوّل عليها كي تعمل على تعزيز الأصيل والماتع المدهش.

نعم، طُرح الكثير من النتاج والكتابات التي عملت على تصوير بعض جوانب هذه الحرب القذرة، ولكن السؤال هنا:

إلى أي درجة نجح الأديب في إنتاج أدب رفيع وبمستوى فني يليق بصراخ المقهورين والمكلومين من يتامى وثكالى؟؟

وإلى أي درجة كان وفياً مبتعداً عن الانتماءات الطائفية والمذهبية والعرقية والحزبية والقومية؟؟

إلى أي مدى كان منتمياً لهذه لأرض الطاهرة وللإنسان السوري، ومنتصراً للحق.. للخير.. للجمال!؟

إذ لا يكفي أن نتحدث عن الحرب وحسب حتى نصدر أنفسنا كتّاباً وأدباء، فتناول الكاتب لقضايا كبرى لا يساعده في إنتاج نص إبداعي كبير وهام ولا تصنع منه كاتباً كبيراً.. ولكن يمكن للنص الإبداعي الهام والناجح فنياً أن يمنح ويصور أهمية الحدث وخطورته وجسامته، على حقيقته، وبالتالي ينجح في تصديره حدثاً جللاً مهيباً…الخ، وبالتالي كل هذا وذاك عائد إلى ما يختزنه ويكنزه الكاتب من طاقات إبداعية تخيلية خاصة. 

نعم، ثمة أدب وقف في وجه الإرهاب والظلاميين، ومن يطلع على المشهد الثقافي السوري يدرك أن ثمة أدباء كتبوا ونشروا وخرجوا إلى تلك المناطق – التي كان يسيطر عليها الإرهاب – حال تحريرها، وعلى خطا رجالات جيشنا، حماة أحلامنا وآفاقنا الممتدة تجاه النبض، تجاه الله، ليشاركوا أبناء المكان فرحة التحرير وإعادة بعض ما سُلب منهم من أمن وسلام. لأننا نؤمن بأن أرواحنا ليست أغلى من أرواح أبناء المكان أولاً، ولا هي أغلى من أرواح حماة ضحكات أطفالنا والعصافير، كنا نذهب إلى حيث يجب أن نكون وبكل اعتزاز. 

العدد 921 - 29/07/2020