الأسود حاكم السوق السورية… ومافيا التجار صاحبة القرار

سليمان أمين:

بات الوضع المعيشي في سورية خلال الآونة الأخيرة أكثر من كارثي، فقد باتت حركة الأسواق تحكمها مافيا التجار بكل قوة، بفرضهم لسياسات التسعير وفق سعر صرف السوق السوداء المنتعشة خلف الكواليس دون أي روادع قانونية، في ظل الغياب الجلي للحكومة السورية، التي لا نسمع سوى تصريحاتها الفاقدة لمعايير الشفافية والمنفصلة انفصالاً تاماً عن واقع الشارع المعيشي الذي يعيشه المواطنون السوريون اليوم، من ارتفاع جنوني وبشكل يومي لأسعار المواد الغذائية الأساسية لمعيشة الفرد.

دولار السوداء سيد السوق

ممنوع أن تتكلم بسعر الصرف، وممنوع أن تتداوله وفق المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2020، الذي يشدد العقوبة على المتعاملين بغير الليرة السورية كوسيلة للدفع والتداول المالي في سورية، وقد عدّلت المادة الثانية من المرسوم التشريعي رقم 54 لعام 2013.

وقد نص المرسوم رقم 3 على أن (كل من يخالف أحكام المادة الأولى (من المرسوم 54) يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن سبع سنوات والغرامة المالية بما يعادل مثلي قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به أو المسدد أو الخدمات أو السلع المعروضة)، كما (تحكم المحكمة بمصادرة المدفوعات أو المبالغ المتعامل بها أو المعادن الثمينة لصالح مصرف سورية المركزي).

حتى هذا اليوم لم يتم إيقاف التعامل بالدولار الأسود، بل انتعش أكثر خلف الكواليس، وازدهرت تجارة المافيا الداخلية المتحكمة بكل مفاصل الحياة، ما تم إيقافه هو الحديث بسعر الصرف وعدم ذكره على صفحات التواصل الاجتماعي وفي الشارع السوري، أما التسعير فيتم وفق نشرة صرف السوداء، وذلك واضح وجلي من خلال النشرات الدورية لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، التي ترفع فيها أسعار المواد الأساسية بشكل دوري، مع أن سعر صرف المركزي ثابت منذ شهور على وضعه ولم يرفع، والسؤال هنا: إن لم يرتفع دولار المركزي، فعلى أي أساس ترفع وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك الأسعار!؟

لعل الجواب واضح وجليّ: وفق معايير الواقع. فالتسعير يُحدّد وفق نشرة السوداء وليس وفق نشرة المركزي، إذاً التداول في السوق السوداء تتعامل به الحكومة في الخفاء وتسعّر وفقه، حتى اليوم لم نرَ أيّ عقاب للمضاربين، ما صدر هو مجرد أخبار فقط وما أسهل أن نصنع خبراً ونسوقه.

ما زاد الوضع سوءاً أكثر هو إهمال تطبيق القوانين والمراسيم الصادرة بالطرق القانونية بكل قوة، ومن ثم إهمال الحكومة فرض سيطرتها على الأسواق والتجار لا العكس.

سجل سعر الصرف مع بداية هذا الأسبوع 1700 ليرة سورية ومازال يحلق في ارتفاع شديد، والسلع الأساسية تحلق معه بفوارق كبيرة جداً، وهذا الشيء لا يمكن لأي أحد إنكاره، فلدينا واقع سوق واضح وصريح، فمثال على ذلك ارتفع سعر ليتر الزيت النباتي خلال يومين بمعدل 500 ليرة سورية في ظل صمت حكومي، كما ارتفعت باقي المواد الأخرى أيضاً بفوارق كبيرة ومازالت تسجل ارتفاعات يومية وجنونية، وارتفاع معدلات الفقر تخطى حدود 90%، فدخل المواطن السوري اليوم لا يتعدى قيمته 35 دولاراً شهرياً، وتصريحات بعض المسؤولين الحكوميين إن الأسعار في سورية أرخص من الدول المجاورة هي تصريحات غير واعية، فدخل المواطن في الدول المجاورة كبير جداً ومتناسب مع أسعار السلع المعيشية ومتطلباته اليومية، وسؤالنا هل يكفي دخل 35 دولاراً شهرياً للمواطن؟؟ ولتر الزيت ثمنه اليوم دولار ونصف؟ وكيلو الرز أو السكر بدولار.

الباعة ضحية التجار الكبار

التسعير في الأسواق السورية يتحدد وفق نشرة السوداء اليومية، أي يجري التعامل بدولار السوداء بشكل واقعي مع إنكار البعض ورفضهم الحديث عن ذلك، وعدم وجود فواتير نظامية من قبل الشركات الموزعة وكبار التجار تعطى للتجار الوسطاء والتجار الصغار والباعة، ولجان حماية المستهلك يتركز عملها فقط في جمع الأتاوات من التجار الصغار، أو مخالفة البعض بضبوط لتبيان أنها تلاحق وتعمل بجد، ولكن حتى اليوم لم نرَ تغريم تاجر كبير وفرض العقوبات عليه لأنه لا يمنح الفواتير، من (يأكلها) دائماً هو التاجر الصغير والبائع الذي لا حول له ولا قوة، وقد اشتكى الكثير من الباعة بأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون: هل يغلقون أبواب رزقهم، فهم لا يحصلون على فاتورة، وإن طالبوا بها لا يعطيهم التاجر الأعلى بضاعة لمحلاتهم ويوقف التعامل معهم بحجة أنه لا يملك أي فواتير، فالشركات الموزعة لا تمنحه أي فاتورة.

وأخيراً نتساءل

من المستفيد من كل هذا؟ إلى أين ستصل الأمور بالسوريين؟ وإلى متى يتحملون ضغط الغلاء الحاصل والجوع الذي بات كالفيروس ينتشر انتشار النار في الهشيم!؟ ومن جانب آخر لماذا يجري تصريف الحوالات المالية من قبل شركات الصرافة بسعر 700 ليرة سورية، والأسعار في السوق يحكمها الأسود؟!

العدد 912 - 20/5/2020