مخاطر متزايدة للأمن المائي في سورية (1)

صفوان داؤد:

التكهنات التي أحيطت بتداعيات أزمة وباء كورونا قبل أشهر أصبحت الآن حقائق، وهي أن العالم قادم على سلسلة من الأزمات الاقتصادية والمعيشية والغذائية، ويتوقع أن تكون في مقدمتها أزمات المياه، المتعلقة بتناقص المياه العذبة والمعروض الغذائي المعتمد على أنظمة الري. وأشار موقع منظمة الغذاء العالمي أنه (بالنسبة للدول منخفضة الدخل، فإن العواقب قد تكون مدمرة، خاصة إذا استمرت تداعيات الجائحة على المدى الطويل، لاسيّما وأن الاستراتيجيات الموضوعة للتكيف مع الوباء تأتي على حساب الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم).

وعادة ما تولّد الموارد المائية ضغوطًاً هائلة على الإمدادات الغذائية، وتؤثر على العلاقات بين الدول باعتبار أن العديد منها تتقاسم جغرافياً أحواضاً مائية واحدة. وتبدو اتفاقيات المياه الدولية والاقليمية أكثر أهمية من جانب ضبط الندرة المائية والحؤول دون أن تكون مصدراً للنزاعات. ويشير القانون الدولي صراحة إلى عدم احتكار الانتفاع بمياه الأنهار الدولية من قبل دولة واحدة، ما لم يكن هناك اتفاق بين دول الحوض النهري المعني في هذا الشأن (مؤتمر هلسنكي 1966)، وأن الدول على الأنهار الدولية لها الحق باستعمال مياهها شرط ألا يسبب هذا الاستعمال ضرراً على الدول المتشاطئة معها (لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة حول القوانين النهرية، 1973). وتم تثبيت هذه القوانين ضمن مجموعة من القرارات الدولية أهمها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 49/52 عام 1994، واتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية لعام 1997 الذي أُقر في الجمعية العامة للأمم المتحدة بموافقة 104 دول، فيما اعترضت عليه ثلاث دول من بينها تركيا.

وكانت المعارك العنيفة على امتداد وادي الفرات قد فتحت الباب لاستخدام أطراف الصراع المياه مرات عدة كسلاح ضد الخصم. في عام 2017 عمدت حملة (غضب الفرات) التابعة لـ(قوات سورية الديمقراطية) في حربها ضد (تنظيم الدولة الإسلامية) الى إغراق الأجزاء الشمالية الغربية من مدينة الرقة، بفتح الماء بشكل عشوائي من قناة (البليخ)، وهي قناة ريّ رئيسية تقع إلى الشمال من سد الفرات، وأدت الى تضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ومواسم القمح والشعير فيها. كما أدت الفوضى العامة في شرق سوريا إلى إطلاق يد تركيا على مياه نهر الفرات، ولم تعد تأبه بالقوانين الدولية، وبدأت بتخفيض حصص المياه لكل من العراق وسورية، وفي شباط 2018 خفضت أنقرة معدل الدفق المائي لنهر الفرات إلى 321 درجة (ما يعادل 450 متر مكعب/ثانية) بحسب تقرير لتلفزيون روسيا اليوم. ويشير العديد من الباحثين المختصين بالدراسات الدولية إلى أنه بعد فقدان النفط قيمته التنافسية وموقعه كعامل أساسي في الصراعات الدولية لعقود طويلة، فإن المستقبل ينذر بانقسام العالم بين من يملكون الماء ومن لا يملكونه. وتظهر بوادر التنافس الحاد على تناقص المعروض المائي في أوضح أمثلته مثلاً بين مصر وإثيوبيا على خلفية بناء سد النهضة. العراق وتركيا على خلفية بناء سد (إليسو). كذلك التعديات المستمرة على مياه نهر الفرات من قبل تركيا، وعلى نهر الأردن من قبل اسرائيل. ويقول السيد ديفيد ميشيل، مدير برنامج الأمن البيئي في (منظمة بحوث السلام والأمن) ومقرها واشنطن أنَّ (قضية حروب المياه أكثر تعقيداً من كونها نظيراً لما يوازيها بشكلٍ مباشر من موارد أخرى، ومن المهم التمييز بين أنواع الموارد والمسارات التي يمكن من خلالها أن تسهم في النزاع). وكان قد بدأ الاهتمام بدور الماء في النزاعات الدولية منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما تبنى تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 1990 فكرة الأمن البشري كإطار عالمي إنساني يتجاوز المنظور الكلاسيكي القديم القائم على فكرةِ الأمن الوطني المحصور بدولة أو إقليم بعينه، والمتعلق بالجوانب الأمنية والعسكرية فقط. ومنها انطلقت فكرة الأمن المائي كجزءٍ لا يتجزأ من مفهوم الأمن البشري، من حيث توفير المياه بشكلٍ عادل للمجتمعات المختلفة وحفظ حق الأجيال القادمة منها.

هذا الموضوع لابد أن يؤخذ بأهمية قصوى في سورية، إذ يُصنّف المناخ فيها بأنه قاحل إلى شبه قاحل؛ المعدل السنوي لهطول الأمطار في أكثر من 90% من أراضيها دون 350ملم، وهي نسبة تضع البلاد ضمن نطاق الدول الفقيرة مائياً، وتشغل الأراضي الجافة 71% وشبه الجافة 23% من مساحتها. وتعتبر 18% تقريباً من الأراضي السورية متدهورة نتيجة النشاط البشري غير المُستدام. وتبلغ المساحة المروية 1،5 مليون هكتار من إجمالي الأراضي القابلة للزراعة، وتشكل ما نسبته 22%، بينما المساحة المتبقية هي أراضٍ بعلية بحسب جمعية العلوم الاقتصادية. يعتبر الجفاف الخطر الأول على الأمن المائي لكنه يبقى جزءاً بنيوياً من المناخ شبه القاحل. وعانت سورية من عام 1961 إلى 2009، من حوالي 25 سنة جفاف، تمثل حوالي 40% من هذه الفترة الزمنية (دوشاتيل 2014). وسطياً، كان الجفاف يدوم 4-5 سنوات، رغم أن جفاف السبعينيات دام 10 سنوات متتالية. وتشير البيانات المحلية إلى تنامي العجز المائي بشكل مستمر، إذ بلغ متوسط العجز الكمي للمياه للسنة المائية 2001-2002 أكثر من 52%عما كان عليه في الفترة 1992-2000. وفي عام 2011 بلغت فجوة العجز المائي حوالي 6 مليارات متر مكعب، ومن المتوقع ازدياد هذ العجز خلال العقود القادمة. يذكر أن عدد السدود في سورية ارتفع خلال العقدين الماضيين إلى 141 سداً، معظمها بقدرات تخزينية صغيرة الحجم، لكنها لم تستطع مواكبة الحاجات المتزايدة للمياه في البلاد.

العدد 917 - 1/07/2020