العمل عن بعد ما بين الإيجاب والسلب.. هل يوجّه الاقتصاد نحو عصر جديد؟

أنس أبو فخر:

ظهرت في الآونةِ الاخيرة موضة عصرية للعمل، ترتبط بمفهوم يبدو لكثيرين من الشباب والنساء تحديداً، مُغرياً إلى حدٍّ كبير وهو تحقيق الاستقلالية المالية، وبمعنى أدق الحرية المالية التي تمثل أحد أهم ركائز حرية الفرد، ويعرف هذا النوع من بـ Freelance أي العمل الحر الذي يتمّ عن بعد بوساطة الإنترنت.

الثورة الرقمية الذي شهدها العالم في العقود الأخيرة كان لها تأثير عميق جداً على حياة الانسان وأسلوب معيشته، فتقدم التكنلوجيا فتح آفاقاً أوسع لطموحات الفرد وقدّم حلولاً لمشاكله أحياناً، وباتت ميوله للعمل عن بعد غالباً أكثر من ميوله للعمل التقليدي، كذلك الأمر بالنسبة للشركات أو المنظمات وحتى الأعمال الخاصة ذات النطاق الصغير، وهذا بلا شك يدل على كثرة إيجابيات العمل عن بعد بالنسبة للطرفين (أي جهة العمل والموظف)، بالمقابل توجد فيه أيضاً سلبيات عديدة.

قبل الدخول في الحديث بشكل مفصّل عن العمل، ثمة من يرى أن اللجوء للعمل عن بعد ليس محض مصادفة أو تطوراً عصرياً وتقنياً وحسب، بل إنه مشروع استراتيجي بدأ العمل به وتمَّ تعويمه عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الكبيرة مثل Google و Youtube أمريكية الإدارة، تمهيداً للعملة الرقمية التي ستكون شرارة البداية لعصر جديد ونظام اقتصادي جديد، ذلك أن العالم يُساق للنظام العالمي الجديد الذي له خرائطه وديانته واقتصاده وبالمطلق عملته تماماً كالذي حدث قبل الثورة الصناعية وبعدها التي أسّست بداية لعصر ونهاية لعصر.

بالعودة لنظام العمل عن بعد الذي ارتفع سهمه في بورصة الوظائف وسوق التشغيل والعمل، تحديداً بعد ظهور الوباء العالمي كورونا الذي أجبر الحكومات على اتخاذ الاجراءات والقرارات الوقائية، ما أدى لتجميد سوق العمل التقليدي، مؤثّراً بذلك على شريحة واسعة من الشباب حول العالم التي وجدت في هذا النوع من العمل حلاً مباشراً لأزماتها المالية، حتى إن الأمر طال أيضاً عدداً من البنوك والمصارف حول العالم، كذلك ساهمت هذه الأزمة في ازدهار المتاجر الإلكترونية وأبرزها متجر أمازون الأمريكي الذي كان يعاني من ضائقة مالية.

يعتبر العمل عن بعد ذا ميّزات وإيجابيات كبيرة وخاصة في المجتمعات العربية والمجتمع السوري تحديداً، فالمجتمعات العربية والشرق أوسطية على العموم تعاني من مشاكل البطالة وقلّة فرص العمل لا سيما للشباب المندفعين للحياة، فهم يجدون ضالّتهم في العمل الحر لشركات أو مؤسسات تستفيد من وفرة الأيدي العاملة وزيادة الخبرات فيها، وأريد هنا الذهاب لشريحة رئيسية في هذه المجتمعات وهي النساء، التي تعاني من التقييد غالباً وكثرة الالتزامات المنزلية والأعباء عليها، ما يجعلها أسيرة بين جدران المنزل، وبالتالي فإن العمل عن بعد يعتبر وسيلة للمرأة في تحقيق مدخول مادي جيد واستقلالية مالية دون الخروج من المنزل، الأمر الذي يتوافق مع رغبة الزوج أو الأب. كذلك يساعد العمل عن بعد في تكوين الخبرات وتبادلها، ذلك أنك تستطيع العمل مع أي شركة كانت داخل بلدك أو خارجها، بلغتك أو بلغة أجنبية تتقنها، ممّا يؤسس لنوع جديد من المعرفة والمهارة، إضافة الى عدم الإلزام بنوع خاص من المؤهلات العلمية لكون العمل الحر يعتمد بشكل رئيسي على الخبرة والشغف والإتقان، كما أنه يعتبر مصدر دخل إضافي للأشخاص الملتزمين بوظيفة تقليدية دون الحاجة إلى ترك المنزل لساعات طويلة، وأيضاً يوفر لك مساحة لتقسيم وقتك في العمل بالتماشي مع عدد الساعات أو المهمات الملزم بها من العمل دون تقييدك بشكل أو بآخر.

وفي سورية، تُحتسب نقطة إيجابية مختلفة أيضاً في العمل مع جهة خارجية، وهي المستحقات أو الراتب الذي غالباً ما يكون بالدولار فيأتي فرق العملة لصالح الفرد السوري، كما أنه يقدّم مدخولاً جيداً إلى جيد جداً وذلك حسب نوع العمل والوقت والاتفاق المُبرم بين جهة العمل والفرد، الذي يوفّر بذلك على نفسه تكاليف التنقّل والعديد من الميزات.

وفي سياق الإيجابيات، يعتبر العمل عن بعد أكثر ملاءمة للبيئة، فهو لا يتطلّب الخروج من المنزل والعودة له، وبالتالي يقلّل من الازدحام على وسائل النقل، كذلك لا يتطلب السكن بالقرب من موقع العمل ما يساهم في عدم الازدحام السكاني فمنزلك هو الشركة.

أمّا السلبيات فتتجلّى بأن العمل عن بعد غالباً ما يوقع البعض في فخ الروتين، والتطلّع للتغيير بسبب عدم خروجهم من المنزل إلى بيئة العمل الميداني، فالبعض يفضّل الأعمال التقليدية لكونها تقدم لهم نوعاً من التجدّد وبناء العلاقات والانتظام، إضافة لكونه بيئة حاضنة للتحايل والنصب والخداع، ودائماً ما يقع الكثير من الناس ضحايا لجهة غير صادقة، ولا يحتوي على أي نوع من التأمين سواء المعيشي أو الصحي وسواه، وأيضاً يتطلّب سرعة إانترنت وأدوات تختلف باختلاف الوظيفة والعمل لتلبية المهمات، وهذا ما يكثر في سورية ذلك أنها وعلى مدى سنوات الحرب تعاني من أزمات تعتبر عقبات أمام الراغبين بهذا النوع من العمل، كارتفاع أسعار الأجهزة الالكترونية وعدم توفّر الكهرباء بشكل جيد، وضعف الإنترنت وغيابه في بعض المناطق والأرياف، كذلك عدم وجود بنوك أجنبية تُسهّل على الفرد عمليات تحويل أجوره، وعدم توفّر بطاقات ائتمانية للدفع الإلكتروني المباشر أو التحويل عليه أيضاً. هذه النقاط وللأسف تُعتبر من المُسلّمات في عالم العمل الحر.

ومع حالة الطوارئ اليوم في شتى أنحاء العالم، لم يقتصر اللجوء للعمل عن بعد على أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بل وصل إلى الجهات الحكومية، التي اضطّرت إلى إلزام موظفيها بالعمل من منازلهم لأعود بفكرة قد ذكرتها بالبداية، وهي أن بوصلة العالم تتجه لمشروع يُعتبر كورونا أحد الوسائل المُسرّعة بتنفيذه، وهو النظام العالمي الجديد الذي تحدّث عنه رالف ابرسون عام 1990 في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، كما تحدث عنه هنري كسنجر أيضاً عام 2014، وبالتالي نجد أن رئيس الوزراء البريطاني لم يُصرّح عن عبث عندما قال: العالم قبل كورونا ليس كما بعده، وأن هذه الثورة التكنولوجية التي تعتبر سلاحاً ذو حدين تقدم فائدة كبيرة في مكان، ولكنها وبحسب الرؤى الاقتصادية والخوف من العملة الرقمية ومرحلة الاقتصاد الجديد، تخدم مشاريع كبيرة تدخل منزل الفرد وتحوّله بشكل أو بآخر إلى آلة تتحكّم بها وتستفيد من خبرتها دون تكاليف تُذكر.

العدد 937 - 25/11/2020