أهلاً بالمولود الجديد.. قاتل الفقراء!

د. أحمد ديركي:

يجتاح عالمَ اليوم مولودٌ جديد لفيروس كورونا، إنه طفله الثالث وفقاً لكل الأبحاث والدراسات، على الرغم من حداثة عمرها وعمر المولود الثالث، فقد ولدت الدراسات والأبحاث بمولده. وهو مولود لا يعرف الحدود الجغرافية – السياسية التي ابتدعها إنسان عصر نمط الإنتاج الرأسمالي، ولا يبالي بموقع الإنسان الطبقي في هذا النمط!

لحظة: المولود الجديد يبالي بالموقع الطبقي! كيف؟ إن كنت من من حاملي ألقاب التصنيف الاجتماعي (الراقي) فأنت، وجميع أفراد أسرتك، تتوفر لكم كلّ سبل الوقاية والحماية وإمكانية النجاة، إن لم تكن، أنت أو أحد من أفراد أسرتك، تعاني من أمراض مزمنة أو متقدماً في السن.

وإن لم تكن واحداً من حاملي أحد هذه الألقاب، فليكن بعونك لا أحد!

مثّلت إيطاليا أحد المراكز الأساسية لعدد الإصابات بفيروس كورونا، بعد أن انخفضت في الصين. واحتلت المركز الأول بعدد الإصابات، ثم انخفض تصنيفها وحلت دولة أخرى في المركز الأول، وتتعدد الأسباب في المنافسة على المركز الأول، لكن يهمّنا الآن ما حدث.

أُعلن الحظر الكامل على مدن عديدة في إيطاليا، وطُلب من الجميع الالتزام بالبقاء في المنزل وغير ذلك من متطلبات (الحَجر الصحي). التزم الناس بالقرارات ولكن (الحجر الصحي) المنزلي يسبب العديد من المشاكل ليست بالضرورة مرَضية، بالمعنى البيولوجي، بل هي مشاكل اجتماعية ونفسية_ اجتماعية. عالج السكان هذه الحالات الجديدة والمستعصية في أيامها الأولى بالخروج إلى الشرفات والغناء معاً أو التحدث مع الجيران …إلخ. بمعنى آخر أوجد الإيطاليون سبل التواصل الاجتماعي لكسر التأثيرات الاجتماعية والنفسية_ الاجتماعية الجانبية لهذا الحجر الصحي.

يبدو أن المولود الثالث يفضّل الإقامة الطويلة، إلى أن تجد الشركات الطبية المتنافسة على الربح عقاراً مناسباً له، وهنا بدأت المشاكل الفعلية. ليست المشاكل الصحية فقط، بل المشاكل التي فضحت الواقع الطبقي التي بينها المولود الثالث.

أقفلت الشركات، وتعطّلت المطارات، ووسائل النقل … أي توقفت تقريباً العجلة الإنتاجية في البلاد. ففقد العديد من الموظفين والعاملين دخلهم وبدأ الجوع يدبّ تدريجياً في منازلهم! وها نحن اليوم، ولا أعلم ما الذي يمكن أن يحدث غداً، بدأنا نسمع صرخات الشعب الإيطالي، وعندما نقول الشعب الإيطالي_ المقصود هنا العاملون بأجر_ تتعالى مطالبةً بتأمين لقمة عيشها، إلى حدٍّ أُجبرت فيه السلطات الإيطالية أن تؤمّن حراسةً لمتاجر المواد الغذائية من أيّ تعقيدات!

السبب في هذا أن الحكومة الإيطالية فرضت الحجر الصحي المنزلي من دون تأمين مستلزماته.

ولأن المولود الثالث لا يعرف الحدود الجغرافية_ السياسية فهو يزور بلادنا أيضاً، ويحدث ما يحدث من تعطّل في العجلة الاقتصادية، واللافت للنظر أن حكوماتنا فرضت وتفرض، مثلها مثل بقية دول العالم، حجراً صحياً منزلياً من دون أن تأخذ بعين الاعتبار المشاكل الاجتماعية والنفس_ اجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن يولدها هذا الحجر.

أُقفلت كل الشركات والمؤسسات والمطارات والمدارس وغيرها كثير، فعلى سبيل المثال بائع الصحف الذي يكسب رزقه بشكل يومي، كم يوماً يستطيع الصمود بلا كسب لرزقه اليومي؟ سائق السرفيس؟ العامل اليومي؟ عمال المقاهي والمطاعم؟ … وكل هذه الشرائح التي تعمل يوماً بيوم، كيف لها أن تحارب الجوع المتربص بها على باب منزلها، ويرافقه صاحب المنزل المطالب بالإيجار الشهري؟ كيف لها أن تصمد من دون دخل وهي بالأصل شبه معدومة الدخل الذي يؤمن لها العيش الكريم؟ وألف ألف سؤال تتعلق بالمولود الجديد والدخل والقرارات المفروضة! فأهلاً بالمولود الجديد قاتل الفقراء، وإن لم يقتلهم فسوف يقتلهم الجوع!

العدد 917 - 1/07/2020