نيسان وكورونا!

محمود هلال:

مر الأول من نيسان هذا العام بسلام، دون كذب أو مزاح، ربما بسبب حالة الحظر التي فرضها علينا وعلى غيرنا وباء كورونا المنتشر في أغلب دول العالم، إذ تخطى عدد المصابين بهذا المرض عتبة مليون ونصف المليون إصابة وبات خطراً حقيقياً يهدد البشرية.

 جرت العادة أن يكون الأول من نيسان يوماً للكذب، الذي يسمونه الكذب الأبيض، أتساءل في سرّي: لماذا لم يكذب عليّ أحد في هذا اليوم؟ هل ملّ الناس من الكذب؟ أم أصبح الكذب محظوراً أيضا في زمن كورونا؟ إذ لا يجوز أبدأ الكذب في هذا الموضوع.

والسؤال: لماذا نكذب؟ وما هي أخطر أنواع الكذب؟

الكذب هو تلفيق وتزييف متعمد للحقائق، بدافع الخوف من النتائج المترتبة على قول الحقيقة. قد يتطور الأمر حتى يصبح الكذب مرضاً نفسياً، ويعيش الكاذب بالوهم (يكذب الكذبة ويصدقها)، كما يصبح الكذب مهنة عند النصابين والمحتالين واللصوص والحرامية، وعند بعض المتسولين، لكسب المال.

باعتقادي أن أخطر أنواع الكذب هو عندما يكذب المرء على نفسه، وما أكثر من يفعلون ذلك! وهو يتفنن في إقناع نفسه بأنه لا يكذب عليها، فهذا الشخص يخاف ويخشى مواجهة نفسه بالحقيقة. هنا لابد أن نتوقف مع الذات ونحاسبها، وهنا لابد أن نعرف أن الكذب المستمر على الذات هو حالة مرضية نفسية.

 لو تأملنا كل ما يدور حولنا وناقشناه مع أنفسنا هل هو كذب أم صدق؟ هل ما نعيشه في هذه الأيام بالذات من مشاكل اجتماعية هل هي كذب أم صدق؟ هل نكذب على أنفسنا أم على الآخرين، عندما نواجه الغير ونرتدي الابتسامة خجلاً من مواجهته؟ أم أننا نعيش حالة ضعف أو أزمة؟  وما أكثر الأزمات عندنا في هذه الأيام، فأصبحنا مأزومين في كل شيء.

للكذب أشكال وألوان وحالاته متعددة ومختلفة، عندما يختلف الواحد منا مع صديقه، أو الأخ مع أخيه ولا يصارح أي من هؤلاء الآخر بالحقيقة، أليس ذلك كذباً؟ وعندما يأخذ الإنسان صديقه بالأحضان والقبلات، وفور مغادرته يبدأ في سبه ولعنه من خلف ظهره، أليس ذلك كذباً ومرضاً؟ وعندما نقول ما لا نؤمن به، ونكتب ما لا نعنيه، ونفعل ما لا نريده، ونتناول الطعام مع من لا نحبهم، ونتزاور مع من لا يجمع بيننا وبينهم أي شيء سوى المصلحة، أليس ذلك كذباً؟ لا بدّ لنا كشعب ومجتمع أن نعرف ونعلم أن الكذب على النفس وعلى الغير هو الذي أوقعنا في الحالة التي وصلنا إليها اليوم، ولا بدّ أن نعرف أن كل مظاهر العجز والألم والتخلف التي نعيشها ترجع إلى هروبنا من مواجهة الحقيقة، والكذب على الذات، إذ إن بعضنا يخاف من الغير أكثر من خوفه من النفس، وهذه هي الكارثة الكبرى.

هناك نوع من الكذب يسمونه الكذب الأبيض، نسمع عن الزوجة التي تكذب على زوجها بغية مجاملته للحصول على المال أو للتستر على أخطاء الأولاد من باب العطف والحنان، وكذلك الزوج الذي يكذب على زوجته، كذباً حلواً، في سبيل إرضائها والمحافظة على حياة زوجية مستقرة، والأولاد يكذبون على الأهل والمدرسة خوفاً من العقاب، وهناك من يكذب ليحل خلافاً حاصلاً بين متخاصمين.

أخيراً، ما أود قوله، إن أبشع أنواع الكذب على الإطلاق هو كذب تجار الأزمات عديمي الضمير والإنسانية، إذ أصبح الكذب بدمائهم يجري في عروقهم ولم يتغير مهما كانت الظروف من سلم أو حرب أو مرض فهم يزيدون من جشعهم ليضاعفوا ثرواتهم. وعلينا في هذا الوقت بالذات مع انتشار وباء كورونا تقصي الحقائق وعدم الانسياق وراء الشائعات، والالتزام بالصدق كي نحمي أنفسنا ومجتمعنا.

وكل نيسان وأنتم بخير!

العدد 922 - 12/08/2020