هل يتّجه العالم نحو (أمميّة خامسة)؟!

ريم الحسين:

بعد تدّفق المساعدات الرّوسية والصّينية ومن ثّم الكوبيّة من الكوادر والمعدات الطبيّة إلى معظم الدّول المتضرّرة من وباء كورونا وخصوصاً إيطاليا الّتي أصبحت شبه منكوبة سواء بعدد الإصابات أو الوفيات، وبالمقابل تخاذل الدّول الرأسماليّة وعلى رأسها أمريكا والاتحاد الأوربيّ عن تقديم أيّ مساعدة، بل على العكس تمارس القرصنة والتّجارة على المساعدات المقدمّة للدّول المنكوبة وبتنا نشهد اليوم ما سُميّ بحرب الكمّامات! فأمريكا تستولي على كمّامات دفعت فرنسا ثمنها للصّين وذلك بشرائها بثمن أعلى وتستولي على كمّامات ذاهبة من الصّين إلى ألمانيا، وتشيكيا تستولي على شحنة كمّامات صينيّة ذاهبة إلى إيطاليا، وتركيّا أيضاً تمتنع عن تسليم كمّامات صنعتها وقبضت ثمنها لمشتريها الخارجيّين، وبعد استياء الشّارع الأوربيّ من النّهج الّذي مارسه قادتهم المتغطرسين وحلفائهم فهل نشهد نشوء نظام عالميّ جديد!

الطّليان يحرقون علم الاتحاد الأوربيّ بمشاركة نائب رئيس البرلمان الإيطاليّ ويستبدلونه بعلم بلادهم، بل بعضهم استبدله بالعلم الروسيّ والصّينيّ ويطلقون شعارات:

(خذلتنا أوربا، سنحلّ مشاكلنا بأنفسنا، لا يمكننا الاعتماد عليكم) وكان قد سبقهم الصّربيون في ذلك ومن ثم تتالت هذه الاحتجاجات والحركات في إسبانيا، واليوم في فرنسا حيث رُمي علم الاتحاد الأوربيّ على الأرض بطريقة مذلّة واستُعيض عنه بالعلم الفرنسيّ أيضاً.

وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربيّ وأزمة كورونا الحاليّة وتداعياتها الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة هل تتّجه هذه الدّول للتفكّك تلقائيّاً عن اتحاد رأسماليّ فاشل حقّق أعلى درجاتها بالإمبرياليّة، وتحلّ مكانه تحالفات أخرى ربما غير الأنظمة الّتي مرّت عبر التّاريخ أو مع الدّول الّتي وقفت معه في محنته لتتشكّل أمميّة خامسة وبشكل جديد!  ويتحول العالم لمتعدّد الأقطاب رسميّاً وإنهاء سياسة القطب الواحد الامريكيّ بشكل نهائيّ وخصوصاً بعد توقعات بتراجع كبير للدّولار الأمريكيّ والّذي يعدّ سبب قوّة أمريكا ونفوذها!

كثُرت التّساؤلات الّتي أفرزها هذا الوباء عن الفقاعة الّتي كوّنها العالم لفترة طويلة حول متانة الأنظمة الغربيّة وسياساتها والّتي سرعان ما انهارت في نظر شعوبها قبل الشّعوب الأخرى عند أوّل امتحان حقيقيّ لها في العصر الحديث وخصوصاً تعامل قادة هذه الدّول مع هذا الاستحقاق واستخفافهم به، أضف إلى ذلك الغطرسة الأمريكيّة الّتي لا تترك مناسبة إلّا وتتجلّى في أعظم هيئاتها وأشكالها على لسان مجنونها ترامب الّذي أصبحت الصّين تشكّل له هوساً وكابوساً، هذا التّاجر الذي فشل باحتواء الخطر الّذي تفشى على أراضيه  وأصبحت أمريكا تترأس قائمة الدّول بعدد الإصابات والوفيات،  هذا إن لم يكن لبعض التّحليلات الّتي نسبت هذا الفيروس إلى تفشّيه أوّلاً داخل أراضيه ومن مراكز أبحاثه السّريّة ومن ثمّ تصديره للعالم، ثمّ يأتي وبكلّ وقاحة وعنصريّة وحقد ويصّرح بأنّه (الفيروس الصّينيّ) وهذا دليل على علمه المسبق بأنّ الصّين تتقدّم في كلّ المجالات مع عدم قدرته على إيقاف هذا التّطور والنّفوذ.

أثبتت الدّول الاشتراكيّة ليس قدرة فقط على احتواء الخطر وإنّما على إبهار العالم في تخطّي أيّ خلافات ومعوقات والتّصرف بأخلاق وإنسانيّة وتجاوز الحدود الوهميّة وكأنّ العالم أمّة واحدة قادرة على مواجهة هذا الوباء وتبادل الخبرات والمساعدات، فهل يكون كورونا دقّ المسمار الأخير في نعش وهم الرّأسماليّة وكشف عوراتها، وتوضّحت الصّورة جيّداً لشعوب هذه الدّول عن القوّة الخلبيّة والادّعاءات الكاذبة لأنظمتها، فتعمل على إسقاطها وإحلال أنظمة أكثر عدالة وأقل همجيّة تُعنى بالإنسان قبل المال؟!

العدد 917 - 1/07/2020