الفن السوري فينيق الحضارة

حسام محمد غزيل:

يُجمع الباحثون والنقاد على أهمية الفنون أثراً وتأثيراً منذ نشأة الإنسان الأولى، فقد كان الفن وسيلة للتعبير عمّا يريده الإنسان ويبحث عنه، فقد استخدم الصوت للدلالة، ورسم على الجدران ورقص أمام النيران محتفلاً ولاهياً، عبث بالضوء والظلّ فكان الرقص وكان المسرح، ابتكر وجرّب بالرسم على الجدران فأوجد الكتابة والرسم والنحت.. حاول تطويع العالم من حوله، فطوّر الفنون وطوّر ذائقته بإدراك الجمال وصفاً فقال الشعر، وظلّ الفن طوال مسيرة الإنسان على الأرض يواكب مشاعره وما يلمّ به من حوادث وأزمات وحروب.

الفن في سورية شاهدٌ على كل ذلك، فقد عمل على صياغة تمثيلها للمحتوى الحضاري وسبر مختلف التأثيرات وتطويعها، وهضم كل ما مرّ على ترابها من حضارات وتجارب كان لها الأثر حتى اليوم بوصول الفن السوري إلى ما هو عليه الآن، جاعلاً من الإنسان محور ارتكاز له، متّشحاً الأسطورة والخرافة والأديان على تنوّعها، مُمكّناً المبدع السوري من تحقيق فهم متجانس وحقيقي للتنوع الحضاري، مُحدثاً الأثر الذي مكّنه من التأثير على المسيرة الإنسانية للفنون، وهذا ما نراه مُتمثلّاً حقيقة بفنون دورا أوروبس وتدمر والحقبة الهلنستية وكل ما تركه الفن المسيحي والمخطوطات والفنون الإسلامية وسواها ممّا تتابع في صياغة السرديات الجمالية للفن السوري كمنتج أصيل.

الوقوف على التبادل المعرفي الحضاري وأثره على الفنون في سورية، والآثار الأولى لأهمية الإنسان في جماليات الفنون التشكيلية والبصرية وعبوراً بالشواهد الأولى ووصولاً إلى إرهاصات الحداثة ومرجعياتها المنهجية، والتأكيد على تبنّي المدخل المعرفي للفن وتناول المعرفة الكامنة وراء الفنون، يضعنا أمام تساؤلات واستحقاقات كبيرة أبسطها هو السؤال المُتمثّل دوماً والمُتكرر: الفن لأجل المتعة أم الفن لأجل الرسالة؟ يدخل كثيرون مضمار هذا الجدل دون أن يستطيعوا التوافق على نقطة مشتركة لأن كلاً منهما يريد تأكيد رأيه، يتابع الفن هذا الجدل ساخراً ويمضي مُستغرباً: المتعة، نعم المتعة، لكن ما معنى المتعة وما جدواها دون أثر أو دون رسالة، وهل يمكن بثّ المتعة دون أن يظلّ لها أثر ايجابي أو سلبي؟ الفن له أثر التغيير الناعم أو التأكيد على المُراد باللمسة الناعمة ذاتها، والأثر المتمكّن ظاهراً أو المُختفي شكلاً والمُنتشر أثراً بمدِّ نفوذه في اللاوعي وعلى المدى الطويل يتكوّن أثره حقيقة لا تُنكر. صراحة لا أريد أن أعطي للفن أكبر من قدرته على التكوين الحقيقي، فهو ليس سريع الأثر وإن استطاع في فترات ما ترك أثر ملموس، فذلك نتيجة نضج مجتمعي أو تشبّع احتاج إلى إشعال الفتيل فجاء الشكل المُراد له، لا أنكر مدى تأثري بالفن وانعكاسه على كثير من الأفكار والممارسات التي يمكن أن أقوم بها، وأنا أعتبر بأنّي عايشت جزءاً جمالياً من الفن بمرحلة كان يدعى الفن رسالة ويحاول استقراء الواقع وفهمه والتعامل معه، ومع موجة الفن المهدرج والمعولم أراجع نفسي كثيراً، هل حقاً هناك أثرٌ أم هي المتعة والمتعة وحدها، لكن إذا لم تقدم هذه المتعة حتى بشكل مقبول ومؤثّر فهل سيظلّ الفن قادراً على تقديم نفسه كمؤثّر ايجابي في ضمير الشعوب ودورة حياتها؟

للفن اليوم أثر تعليمي وتربوي بالغ القيمة لو أُدرِكَ ووُعي بحقّ، فهو يبثُّ مضامينه بشكل جذاب ودون المواجهات الفجّة التي تقع بها باقي وسائل الإعلام والتربية، مع القدرة على التأثير البصري والسمعي والحسي بقدرات ومُعدّات هائلة، لكن هل هناك من يريد الاستثمار حقاً في هذه المرحلة وفي هذا الاتجاه، أم سيظلّ الطابع التجاري والسلعي هو المسيطر في موجة متعالية من الكساد الفكري والاقتصادي والمجتمعي؟ هل نحتاج إلى البدء بالبحث والعمل على إعلام وفنٍّ سلوكي يتخذ من التوقعات القادمة لاقتصاد سلوكي عبرة له؟ هل يُمكننا التسابق في هذا المجال أم سنظلُّ نقدّم الفن بعقلية بياع البسطة؟ يمكن للباحثين تلمّس مقدار التأثّر في هذه الفنون المعاصرة بفنون الحضارات القديمة في المنطقة، وكأن العودة إلى هذا التراث الحضاري هي عودة إلى الهوية في عصر قلق الهوية والغزو الثقافي.. فهل نطمع بالكثير ونتمنى فنّاً سورياً خالصاً مُتأثّراً بشروط الحالة الإنسانية مقدمين إياها على كل الهرطقات المندرجة اليوم تحت مُسمّى الفن!؟

العدد 906 - 08/4/2020