الفن.. اللغة الرسمية للإنسان

مرح محمد نبيل السمكري:

المكوث أمام منحوتة لساعات تقضيها في التأمّل، والبكاء أمام لوحة فنية، وتراقص الأيدي بانسيابية على ترنيمة موسيقية، وقشعريرة خلف قصيدة، وعناق لكتاب أنهيت كلماته الأخيرة للتوّ، ما هي إلاّ أمور يستغربها البعض، ويراها موضع سخرية، فمن غير المنطقي، بالنسبة لهم، أن تقف مُتماسكاً أمام كل هذا البؤس الموجود في العالم وتنهمر مشاعرك أمام نوتة موسيقية.

ليتهم يعلمون أن تلك اللوحة التي يعْبرون من أمامها كأنها لوحة إعلانية طرقية، تختصر عشرات نشرات الأخبار، وتُلخّص ما نقله المراسلون وما كتبه الصحفيون، فالفنون عامّة ليست مجرّد هوايات نتبعها للتسلية، أو تمضية الوقت مع اكتساب الإتيكيت الاجتماعي، إنما هي قضية بحدِّ ذاتها، وتنقل القضايا للعالم، فالفن له دور أساسي وكبير في المجتمع، لا ينكره إلاّ الجاهل أو قاصر الأفق.

منذ بداية وجود الإنسان، دفعته فطرته لممارسة الفن، فراح ينقش وينحت على جدران الكهوف أشكالاً ورسوماً، وباتت تتواتر الحضارة والثقافة من جيل إلى آخر عن طريق الفن، فلو طلبت منكم تذكّر مشهد عثور على حفنة من الآثار لظهر في أذهانكم سريعاً تماثيل منحوتة أو ألواح حجرية محفور عليها نقوش أثرية، وهذا كلّه فن، وهذه هي الطريقة التي عرفنا بها تاريخ الإنسان القديم.

إضافة إلى كونه من أهمّ ما يُميّز الإنسان عن باقي المخلوقات ويجعله مُترفّعاً عنها، فلا وجود لأيّ مخلوق يعبّر عن مشاعره بطريقة ملموسة أو مرئية أو مسموعة سوى الإنسان، ويعتبر تجسيد المشاعر من أهم وظائف الفن، فبإمكانك نقل كل الفرح الموجود بقلبك عن طريق ورقة وعلبة ألوان، وتجسيد كل الصراخ والنحيب الذي تسمعه ينبعث من قلبك عن طريق قصيدة، ونقل حالة الحب التي تعيشها بلحن موسيقي، كل ذلك يجعلك توزع زحمة المشاعر في قلبك على هذا العالم.

 ولا يوجد مجال يُتيح لك خلق أشياء غير موجودة وغير واعتيادية سوى الفن، وهذا الخلق هو ما يُنمّي قدرات الإنسان على الخيال والتصوّر، ويُنمّي إمكاناته العقلية والإبداعية، كما أنه يُهذّب أخلاقه، ويربّي ذوقه الإنساني وحسّه الجمالي، فمن المستحيل أن ترى فناناً يضرب طفلاً، أو يعذّب حيواناً، أو يمارس التنمّر على الضعفاء، ولو رأيت ذلك المنظر فاعلم أنه متعدٍّ وممارسٌ للفن وليس فناناً.

كما يُعدّ الفن لغة مُعمّمة على كل الكون، يستطيع فهمها ونطقها الجميع، فلست بحاجة إلى تعلّم الهولندية لفهم ليلة النجوم، ولا بحاجة لتعلّم الألمانية لفهم السيمفونية التاسعة، ولا تعلّم الإيطالية لفهم خلق آدم، كل ما عليك تعلّمه هو تفعيل البصيرة مع البصر.

كما كان للفن دوره الأساسي في المعترك السياسي والاجتماعي، خاصّة عندما نتكلّم عن فن الكاريكاتور، الذي يرسم بين خطوطه القليلة قضايا شائكة بأسلوب ساخر، وفن التمثيل والمسرح، وخاصّة الكوميديا السوداء، التي تترك خلف ابتسامتك أسئلة كبيرة، حتى أن الموسيقا قد تغيّر توجّهك في القضايا، فلو رأيت مشهداً لشخص يقتل آخر ووضعت له خلفية موسيقية تحفيزية سعيدة لشعرت أن المقتول من أعدائك الذين سبّبوا نهاية حياة أبناء وطنك، ولو وضعنا على المشهد نفسه موسيقا حزينة باكية لشعرت أن المقتول أحد أقربائك وأنه يجب عليك الحداد.

إن الفن هو ما يميّز الإنسان الواعي والمثقف، الذي يعي تأثيره على كل تفصيلة في حياته، ويعي أنه مجال مقدّس لا تستطيع الانفكاك من سحره.

العدد 906 - 08/4/2020