الفتى من يقول هذا أنا وليس كان أبي….

وعد حسون نصر:

لا يمكنك بأيّ حالٍ العودة إلى زمن الأجداد دائماً، فلا الزمان بالتوقيت ذاته ولا المكان له نفس المعالم، وبالتالي يختلف التفكير مع اختلاف العمر والسنين، ومن الطبيعي أننا كلما تقدّمنا خطوة للأمام تغيّرت مفاهيم لتحلَّ مكانها مفاهيم أخرى. لذلك اصنع أنت المستقبل بخطوات متناسقة مع قدراتك ومتطلبات الغد.

الكثير يظن أن مكانة الأجداد وسمعة الآباء تُغني عن صناعة مكانةٍ وشأنٍ لهم، بالتالي ليس هذا التفكير سوى تفكير جاهل وصاحبه مغمور بالماضي وحكاياته وبطولات قد تكون لا وجود لها أساساً.

تجاهلك المستقبل وغوصك ببرك الماضي لا ينعكس إلاّ بالسلب عليك وحدك، فأنت من يتعثّر ويسقط في هاوية الاتكال على الغير، فكن الشخص الناجح الذي تجاوز الماضي بجماله أو قبحه إلى مستقبل مشرق، تخطّى كل العادات البالية وتفوّق على النقص القديم بثقافة وانفتاح، واعمل من أجلك أنت.

اصنع مجداً تُسطّره بجهدك وعطاءك وابتكاراتك، اصنعه بالشعر والنثر والثقافة والعلوم، والاختراعات واللغات.

اصنعه بالعمل والتربية الحسنة والخلق الحميد، دع صفاتك وثمرات جهدك يصنعون لك المال والشهرة، لا الماضي بسمعة أجدادك.

اقنع نفسك أن الماضي ذهب مع رحليهم، والمستقبل آتٍ من ماضيك أنت وما صنعته وستصنعه، ابتعد عن تحديد خطوات حياتك مقرونة بذكريات أسرية، وإذا شاء الماضي أن يُذكّرك بنفسه مع كل خطوة اجعله عبرة تنبثق منه طموحاتك وأحلامك، وتذكّر كم من شخص كان الماضي لديه مريراً وممزوجاً باليأس والتعب والحزن والفقر واستطاع تخطي كل شيء وذهب لحاضر جميل مزهر بعطائه مُكللاً بتقدّمه وتفوّقه.

دعونا نبتعد عن معوقات النجاح ونُحدّد خطوط البيانات الأساسية التي تناسب متطلبات كل مرحلة لنستطيع السير بطريق مرسومة بتقدمنا، وخطوط واضحة أشبه بلوحة عُدّت لتشيّد مدينة جديدة نعالج الخلل ونقوّمه من جديد، وكلما ظهرت هفوة نردمها بعلمنا وعملنا، هنا لا يمكن للماضي أن يهزم طموحنا ويصنع حياتنا، لأنه ذهب مع ردم فجوات الخلل.

لنزرع بذور التطور وخاصة تطور ذاتنا، ومع هذا لا يمكن أن نطمر الماضي ونمحو ذكريات الأجداد وتنهيدات الآباء، لكن يمكن أن نجعلهم مرجعاً نعود إليه كلما أردنا تقويم الأمور نحو الصواب. وإذا كان الماضي غامضاً، فعبرتنا تكون بتجاوزه للنور المشرق مع تقدّم عقولنا المنفتحة للحياة. لا تلغوا طيب الآباء ومحاسن الأجداد، لكن تجاوزوهم نحو صنع طيبكم ليتغنى به أبنائكم بمفاهيم وعبر جديدة، فالحاضر وليد الماضي والمستقبل ينشقُّ من حاضر نصنعه بعقول تريد التطور لا الثبات  بتراب ممزوج بعرق شقاء الأجداد في زمن لا يشبه زمننا إلاّ بعدد الأيام وأسماء الأشهر، فلكل زمان فرسان ولكل مكان معارك، وتختلف الصهوات باختلاف شراسة المعارك لإثبات الذات، على أن لا تكونوا من هؤلاء الذين لا يفكرون ولا يهتمون إلاّ باللحظة الراهنة، لأنها لا مبالاة قاتلة، وهي ضوضاء وفوضوية تُغرق صاحبها بتفاهة التفكير وسذاجة ردّة الفعل حيال أيّ موقف. من الضروري ألاّ نغوص بالماضي البعيد وألاّ نتعلّق بالمستقبل المجهول، لكن من الضروري أيضاً أن نبتعد عن الثبات في نقطة الوسط والتعلّق باللحظة الراهنة، فلا يمكن للحظة أن تستمر ما لم تُربَط بعقرب الدقائق لتسير للأمام، وتكون بتقويم الأيام لتصعد للحاضر، لذلك لا تدوسوا على الماضي بأقدام حاقدة لتخرجوا للحاضر مشبعين غلاً وقسوة خُلِقت من الماضي, فلم تسلموا من أحقاد المستقبل على أعناقكم, وأيضاً لا تخرجوا من الماضي متغنين بسمعة ومفاخر الأجداد وتجعلوها فقط رأس مالكم، فقد يضيع حاضركم بذكرياتهم ويُبهم مستقبلكم بتقليدهم, توسطوا بين الذكرى والذكرى لتخلقوا لكم حسن الطيب ومستقبل هو رصيد أبنائكم بما يجنون معه من محاسن.

العدد 906 - 08/4/2020