نحو التأمل لا الشرود

عباس حيروقة: 

لم يكن أرسطو ميتافيزيقياً عندما اعتبر في (فلسفة الأخلاق) التأمل أعلى صورة للنشاط العقلي،  إنه الذي قال فيه هيغل (لو أن هناك مهذباً للبشرية لكان أرسطو).

والتأمل حسب الموسوعة الفلسفية للأكادميين الروس ترجمة سمير كرم هو الكامن في المذهبين التجريبي والعقلي لأنه بدون الممارسة يستحيل أن تُثار مسألة العلاقة بينهما على نحو صحيح، ويفضي التأمل فيما يتعلق بنظرية المعرفة بطريقة حتمية إلى الميتا فيزيقيا.

ومما جاء في اللغة:

*أن تأمَّلَ أي تلبَّث في الأمر والنظر (القاموس المحيط)

*تأمَّل الشيء أي نظر إليه مستبيناً له (مختار الصحاح)

*تأمَّل الأمر وفيه: نظر فيه ملياً، نقول تأمل جمال الطبيعة

وتأمل في حقيقة أو مسألة (المنجد)

إنه التأمل الذي ولّد وتولّدت وتوالدت منه نظريات وأيديولوجيات وديانات وتعاليم عدّة.

التأمل الذي أرجع أفلاطون فعل الفلسفة له حين قال (الفلسفة تأمل للموت) في حين غيره اعتبر الفلسفة تأمل للموجودات الخلقية.

و التاريخ بأزمنته أنبأنا بأن كل الرسل والأنبياء والقديسين والمفكرين والمصلحين والصوفيين والشعراء و…الخ وغيرهم من المبدعين يمرّون بمراحل تأمل الموجودات، الخلق، الموت، البراري، وتلك الأمداء والأنداء من هول الجسد…الخ،  قبل أن يتنزّل عليهم الوحي الربّاني فينتجون نصوصاً من تجليات الإله، ويؤسسون نظماً مجتمعة وسيراً ذاتية هائلةً وديانات.

وهنا يبرز إلى جانب التأمل مصطلحات قد تخلق إشكالية التفريق بينها وبين التأمل، مثل التفكّر مثلاً أو الشرود.

فهل التفكر تأمل؟ أو الشرود هل هو تأمل مثلاً!

أرى أن التفكّر هو إعمال العقل في البحث عن حلٍّ لمسألة ما، فيبذل الجهد، وتتحفّز الملكات، ويمكن أن يكون في منحى إيجابي كما يمكن أن يكون في منحى سلبي وبالتالي يمكن أن يؤسس فعلاً سلبياً وردّة فعل سلبي أيضاً.

أما التأمل فهو الإمعان الذي ينتج متعةً واطمئناناً من خلال استنهاض واستكشاف كنه الشيء من حيث هو ماتع وجميل وهو يتعلق أكثر ما يتعلق بالجماليات وما تتركه وتورثه لأبنائها أو مريديها من صفاء روحي جم.

أما الشرود فهو سمة غير مستحبّة، ولا تفضي إلى ماتع وجميل، فهي حالة هروب وخروج من أو عن وعي آني دون تركيز، وقد تكون حالة لاجترار حدث ما في زمان ومكان ماضيين.

فنقول مثلاً شردت الناقة أو شرد القطيع أي ترك ما هو مرسوم له، أي أحداث قطيعة بين ما كان وما هو كائن.

وشرد عني فلان أي نفر، ومن هنا النفور النفسي والفكري عن مكانية الجسد، فهي عملية تغريب واغتراب لا إرادي، وقتي

وقيل في أساس البلاغة حسبتكَ راشداً فوجدتك شارداً.

التأمل تلك الأبجديات الأولى التي عمل عليها العقل (الظاهر والباطن) وهو ما يمكن أن يسمى الهيولى التي أُنتجت منها الجماليات الكونية فأشعت طويلاً، وهاج الفراش يحوم، فهام احترقاً.

والتأمل ما هو إلا المنظومة التي تؤسس لعالم أكثر عدلاً وأمناً واطمئناناً، لعالم ينبذ القبح والتخلف والفساد، ويعمل على تعزيز القيم والأخلاق، يعمل على تغليب الروح والمنطق على ترّهات الزمان، والمنطق هنا من حيث هو آلة تعصم العقل من الوقوع في الخطأ بحسب تعريف ابن سينا له في كتابه النجاة.

التأمل، رياضة يمارسها العقل لتنشيط القلب، فيفيض حباً وألقاً بكل مفردات الله، ويصعّد بالروح نحو سموات الله

هكذا إذاً التأمل قاد ويقود إلى الكشف والإنعتاق في كنه وكينونة الإنسان.

العدد 938 - 02/12/2020