فوارق تحت سقف واحد

مرح محمد نبيل السمكري:

ها هي اليوم تحتفل بميلادها الثاني والثلاثون، وتُعلّق على الجدار الذي يجاورها شهادة دكتوراه في المحاماة، شهاداتها المُعلّقة تلك ليست براويظ فحسب، لقد كسبتها بجدارة كبيرة، مثلما كسبت أهم القضايا الشائكة التي شغلت المجتمع المحلي، وجنت المال الوفير الذي سمح بشراء منزلها الخاص وسيارة من الطراز الجيد، إضافة إلى سفرها لعدّة دول بهدف الدراسة أو العمل أو السياحة.

حياتها الآن شبه مثالية، إنها تُمثل حقاً المصطلح المشهور وسط الفتيات لكن ما كان يُغيظها حقاً أسئلة السيدات (أيمتى رح نفرح فيكي) وكأن كل ما حقّقته لا يجلب الفرح، إضافة للتمتمات الهامسة(عانس، لوين بدها توصل؟ المرة آخرتا لبيت جوزا) كانت تستميتُ غيظاً من هذه الكلمات، لكنها كانت تعترف فعلاً بمرورها بلحظات ضعف تحتاج فيها إلى الاستناد على رُجل، وتعترف أيضاً -وبكل صراحة- أن غريزة الأمومة بداخلها تستصرخ شوقها لطفل صغير.

في بداية شبابها عندما كانت مجرد طالبة جامعيّة بسيطة، كان الخُطّاب حولها من كل حدب وصوب، وعندما بدأت تنتهج طريق التميّز، كانت تقتنع بأن الرجال سيعبرون الغربال في حياتها، سيذهب منهم كل ضعيف شخصية، وكل فقير نجاح، وكل رجل لا يجرؤ على مجابهتها، وبالفعل هذا ما حصل، لكن يبدو أنه سقط كل الرجال من غربالها، لم تعرف في حياتها رجلاً يليق بها إلى أن عثرت على رجلٍ لا يشبهها بشيء ولا يساويها في المال ولا الثقافة ولا النجاح، لكنها قبلت الزواج به من باب(الرجال رحمة لو كان فحمة) ولأنه سيُحقق لها ما تبقّى من أمانيها(الأبناء).

لقد كان زوجها من إحدى التفاصيل الثانوية في حياتها، لم يكن أبداً ذلك الكتف القوي الذي تستند عليه، خاصة وأنه كان يصغرها بعدّة سنوات، لم يكن يشبهها أو يرتبط معها بأيّ شيء، ولم يكن يجرؤ حتى على مجابهتها بكلمة، كان يمثل دور(زوج الست) بنجاح باهر يستحق عليه جائزة أوسكار!

لكن ما فاجأها حقاً أنها كانت تستعد لسماع انتقادات لاذعة بسبب زواجها برجل يصغرها من كل النواحي، لكن محيطها تقبّل الحالة بكل رحابة صدر وصار يتمتم فقط ليعيب بهذا الزوج، لكنه اعتبر أن الزوجة المثقفة الأكاديمية والناجحة يحقُّ لها أن(تمتلك هكذا زوج)

من مفارقات هذا المجتمع الغريب أنه يقبل بزواج الفتاة المثقفة من رجل يصغرها، ولكنه يعتبر زواج فتاة عادية(غير مثقفة) من رجل أصغر منها ضرباً من الجنون، وبأنه سيتزوج امرأة غيرها بعد عدّة سنوات، كما يتقبّل أن يتزوج الرجل المثقف بفتاة أصغر منه بكثير، لأنه يعتبر أن الرجل المثقف يحقُّ له أن يُنشئ زوجته على يديه، وبأنه سيحرص عليها ويعاملها كما تُعامل الملكات، ولأنهم غالباً ما يربطون الثقافة بالأخلاق والقيم، فيعتبرون هذا المثقف أيقونة احترام ومرؤة (وهذا اعتقاد خاطئ للأسف، فثمّة مثقفون لا يملكون من الخُلق أدناه)، ولأنهم يعتبرون أن مستقبل هذا المثقف مفروش بالورود والمال والنجاح، لكل ما سبق، يحقُّ للمثقف ما لا يحقُّ لغيره، حتى تشعر أحياناً في هذا المجتمع البائس أنك تدرس وتحصد شهادات علمية لتتزوج بها ليس أكثر، لكن كيف سيكون شكل الحياة مع هذين الشريكين؟

لن نختلف أن الزوجة المُثقفة الناجحة ستنظر لهذا الزوج بدونية واستصغار مهما حاولت ومثّلت عكس ذلك،(والعكس صحيح عند قلب الأدوار) لكن كيف سيكون موقف هذا الرجل أمام أبنائه في المستقبل، وكيف ستكون نظرة الأبناء لوالدهم؟

لا نستطيع نكران دور الأبوين في حياة الأبناء، خاصة وإن كانا على قيد الحياة لكن دورهم ميت، تخيّل نظرة الطفل لأبيه على أنه قليل ولا يكفي، وعلى أن والدته أفضل من والده، فهي تعلم إجابات كل الأسئلة مهما كانت صعبة، تتحدّث اللغات بطلاقة، تمتلك المال وتشتري لهم ما يحلمون به، ثقتها بنفسها تصل حدّ السماء، على عكس والدهم الذي يهرب دائماً من طلباتهم بجملة(اطلبوا من والدتكم)، بعد عدّة سنوات سيشعر الأبناء أن والدهم مجرد قطعة أثاث في المنزل، تماماً كما الطاولة والمكتبة والكراسي، سيُصبح بِرّه محطة للسخرية، وطلباته محلاً للتأفف، أو للشفقة ليس أكثر.

إن التكافؤ والتساوي بين الزوجين من الاستحالة أن يتحقق بنسبة مئة بالمئة، وبالمقابل، يجب أن يتواجد بنسبة لا تقل عن 70 بالمئة حتى لا تتحوّل الحياة الأسرية لنكتة ساخرة.

 

العدد 899 - 19/2/2020