هل فقدنا الأمل؟!

مرح محمد نبيل السمكري:

ها قد بدأت الحرب، ها هي ذي تستعرض أسلحتها، لكن ما سرُّ هذا الهدوء؟ أين طبول الحرب؟ أين صفّارات الإنذار بالخطر؟ كيف تسرّب الصوت من هذه الكارثة؟ أين إشعارات منع التجوّل؟ هل يمكن أن تضع الحرب أوزارها ونحن بأيدٍ عارية؟؟

أجل، فأنت لن تواجه حرباً من رصاص وصواريخ، أنت تواجه حرباً اقتصادية دامية، حرباً تصيب رصاصتها كل الشعب، بكل الأعمار والفئات -عدا اللصوص منهم- حرباً تترك وراءها مأساة طويلة وبتفاصيل دقيقة جداً.

من بين الوجوه المُتفاجئة، وبين الأعين المُترقّبة لغلاء الأسعار، ظهر مجموعة من الشباب على إحدى مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي، مُطالبين بمقاطعة الشعب للسلع، بهدف مواجهة غلاء الأسعار، ولاقت الحملة انتشاراً واسعاً جداً. تهدف الحملة إلى اقتصار الغذاء على الخبز والزيتون، وعدم شراء أي بضائع أخرى، حتّى تتكدّس البضائع لدى التجّار ويضطروا لبيعها بالسعر المناسب للشعب. المبادرة رائعة طبعاً، فأسلوب المقاطعة موجود من قديم الزمان، جميعنا يعرف مقاطعة وحصار قريش للمسلمين، ومقاطعة الهنود للبضائع البريطانية بأمر من العظيم (غاندي) ومقاطعة الفلسطينيون للبضائع الإسرائيلية، إضافة لتكاتف العرب على مقاطعة البضائع الأمريكية، كل ذلك كان جيداً، فعلى سبيل المثال قدّرت الجامعة العربية خسائر إسرائيل بعد المقاطعة ب90 مليار دولار، لكن مشكلة سورية لا تشبه مشاكل كل من سبق ذكرهم، فلا يمكن مقارنة موقف سياسي بشكل اقتصادي، أو مقارنة مواجهة جشع التجار بأزمة تراجع الليرة.

ما شهدناه في الشهر الأخير واقعي جداً تبعاً للأسباب السياسية الواقعة من انهيارٍ للاقتصاد اللبناني، والحرب الباردة بين أمريكا وإيران، والعقوبات الاقتصادية والحصار المفروض على سوريا، إضافة إلى تراجع كل القطاعات من صناعة وزراعة وسياحة وما إلى ذلك.

كل ما سبق لا يمكن أن يقف في وجهه مقاطعة الشعب للسلع، ذلك كمواجهة الرصاصة للصاروخ، ومواجهة طفل صغير لرجل أربعيني، كفّتان مُتفاوتتان حدَّ السخرية للأسباب التالية: بداية، أعرف أن التُجّار يستغلون حالة عدم الاستقرار تلك ويرفعون الأسعار على ذائقتهم، لكنهم لا يُعتبروا السبب الأساسي لرفع الأسعار.

ثانياً، يعاني الشعب السوري من انعدام الرأي الجمعي -وهذا ما وصل به إلى هنا- فيمكنني القول باستحالة التكاتف بين جميع أطياف المجتمع (بعيداً عن الشعارات والاختباء خلف مرارة الواقع) فبينما تعيش الطبقة الفقيرة على البرغل والزيتون، تجد الطبقة الثرية تنعم بما لذَّ وطاب وتتنقل من المطاعم إلى المقاهي والأسواق في سياراتها الفخمة ذات البلور الأسود، هذه الطبقة لا يهمُّها ارتفاع الأسعار أو الأمور الاقتصادية.

ثالثاً، الفقير يعيش حالة مقاطعة للبضائع بشكل قسري، ومن دون حملة حتى، فهو لا يقوى على شراء شيء إلاّ الأساسيات ذات السعر المقبول.

رابعاً، في حال قاطعت جارك المسكين صاحب البقالة الموجودة في آخر شارعكم، واضطر إلى بيعك (بخسارة) للتخلّص من البضائع المُكدّسة لديه والتي اشتراها أساساً من تاجر أكبر منه بسعر غالٍ، من أين سيعيش جارك، من ينفق على أبنائه، هل تقبل أن يقبض جارك بالرخيص ويشتري بالغالي، طبعاً هذا لا يُعتبر عدلاً، أرجوكم لا تتكاتفوا في وجه بائع البيض وبائع الخضرة المسكين.

على أقلّ تقدير يجب على الحكومة تسعير البضائع ومراقبة بيعها وفقاً للسعر المُقرّر، نرجو أن تقف الحكومة معنا في محنة من محن حياتنا.

ما الحلُّ الجذري للغلاء؟ ببساطة لا نرى اليوم أيّ حل. بالمناسبة، قبل أيام كتب زميلي مقالاً عن الغلاء وطلب رأيي به، فأخبرته بأن المقال سلبي جداً ولا يحتوي على حلٍّ لهذه المشكلة، لكني للأسف وقعت في الحفرة نفسها، عذراً زميلي، جميعنا غارقون في السلبية، جميعنا فقدنا الأمل.

العدد 899 - 19/2/2020