… بس الجوع كافر 

غزل حسين المصطفى:

أنا مش كافر بس الجوع كافر

أنا مش كافر بس المرض كافر

أنا مش كافر بس الفقر كافر والذلّ كافر

أنا مش كافر

لكن شو بعملّك إذا اجتمعوا فيّي

كل الإشيا الكافرين

أنا مش كافر بس البلد كافر

نعم، هنا من الأرض السورية وقلب العاصمة دمشق قد يتحوّل الجميع إلى مُلحدين أو مجانين، ونقصد بالجميع هنا الفئة التي هشّمتهم الحرب وهمّشتهم، تُقاطعهم الكهرباء لأيام، تُقطع أوصالهم ويأكل مفاصلهم الزمهرير على طابور الغاز أو طابور الانتظار للمازوت أو حتى في المنزل الخاوي من كل شيء، كل شيء.

نحن الأموات في هياكلَ عظمية تُمارس فعل الحياة، تنتشلنا الفطرة البشرية في كلّ صباح لنستأنف ماراثون البحث عن مقوّمات الحياة، نُصفَعُ، نُستصغَر، تُسلَبُ أبسط حقوقنا ومازلنا نسعى.

ولكن كؤوسنا فاضت صبراً وسكوتاً وتحمّلاً منذ زمن، والآن قد كُسِرَت هذه الكؤوس، وما بقي لنا طاقة للتحمّل، فقد أطلق الشباب السوري صرخاتهم يدعون فيها بعضهم البعض وبقية أفراد الشعب للوقوف موقفاً واحداً أمام حالة الارتفاع الهستيري في الأسعار، إذ يعتكفون عن الشراء من المحلات التجارية ونتحوّل في معيشتنا إلى الخبز والزيتون، إلى أن يستشعر المسؤولون الحالة الجماعية والاستنكار الحقيقي ويُعيدون الأمور إلى نصابها.

بعد أن استعرضتُ الفكرة، تُطالعني مجموعة أسئلة:

– هل التاجر هو وحده المسؤول عن الوضع الراهن؟

– عن أيّ تاجر نتحدث! عن صاحب الدكّان في الحارة أم عن مُتحكِّم مجهول يُدير الأوضاع ببيادقه خلسة؟

– إن طبّقنا البنود التي تنصُّ عليها المقاطعة، هل من المؤكّد أن يهزَّ هذا أصحابُ القرار؟ أم أن ولائمهم الدسمة ودفء فراشهم سيسافر بهم إلى حالة نوم عن الواقع المحيط كما العادة؟

– ماذا يمكن أن يقول الأب لطفله الرضيع حين يعود إلى منزله خالي الوفاض من علبة حليب تسدُّ رمقه وتغذيه! أيمكن أن نقول لكل الأطفال أن هناك مقاطعة امتنعوا عن الجوع؟

– هل كان هذا الغلاء يعيش في قُبّعة إخفاء لم يستطع أيُّ مسؤول رؤيته والاستشعار به من قبل إلى أن وصل بنا إلى هنا؟

– سنوات حربٍ طوال كانت الخطابات تصدح وتتغنّى بصمود الشعب، لكن من قال إنّنا أيوب؟! حُلّت مفاصلنا وتفتّت درع الصمود من جوعٍ وبردٍ وذلٍ.

– إن تحوّلت حملات المقاطعة هذه إلى مقاطعة أعظم، فيتوقف الجميع عن ممارسة مهنته ووظيفته، لا دوائر حكومية ولا وسائل نقل، كل شيء في سبات، هل سينتفض الجهاز الحكومي والمصرف المركزي وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة لإنقاذ شعبٍ اختار بأكمله الموت الفعلي على العبودية؟!

نحن أحرار رقبة ربما لا يحمل أحدهم صكّ ملكيتنا، ولا ندرك بكم تُقدَّر أسعارنا أو ننتظر من يعتقنا أتدركون لماذا؟ لأننا عبيد(ببلاش).

قد نسير مع الركب اليوم، ولكنّنا في الغد سنقاطع الشراء ليس لأننا اخترنا هذا، بل لأنّنا لن نستطيع لذلك سبيلاً بعد بضعة أيام إن لم نجد الحل.

إلى وطنٍ كنت أكتب عنه في مقدمة موضوع التعبير في صغري، وأنا مؤمنة بهذه الكلمات (ترعرعت فيه، تغذيت من خيراته، أعيش في ربوعه مواطناً يتمتّع بكامل حقوقه ويُمارس واجباته…) قد حرقتُ دفاتري هذا الصباح لأُشعِل نار موقدي

 

العدد 899 - 19/2/2020