استلاب معنى الحياة وأسبابها سيزيد من نسب الانتحار

سامر منصور:

الانتحار ظاهرة قديمة رأى فيها بعض المفكرين والأدباء حالة ثورية وأعلى نزعة للحرية، فهي تُمثّل أعلى حق في ممارسة الاختيار بالنسبة للإنسان، حق التحرّر من كل شيء وكل سطوة حتى التحرّر من الجسد نفسه. ورغم أن القتل هو فعل لا قانوني وغير مرغوب بحدوثه حتى لو كان قتل الشخص لنفسه، إلاّ أنه لا توجد عقوبات على من يحاول الانتحار، وتقتصر التحقيقات عادة في محاولة التقصّي فيما إذا كان هناك اضطهاد أو ظلم مورس على الشخص ممّا جعله يحاول الانتحار.

والعجيب الذي يلاحظه من يراقب معدلات الانتحار حول العالم أن دولاً مثل سورية وفلسطين حيث الحياة هي سلسلة من الأزمات والكوارث والحرمان والقلق حدَّ أنها أصبحت أشبه بتراجيديات لا تنتهي ومسخاً كاريكاتيرياً عن حقيقة الحياة، إلاّ أن نسب الانتحار في دول مثل السويد واليابان وغيرها من الدول المتقدمة في مجالات الرفاهية ومستوى دخل الفرد.. الخ لا تقلُّ عن أي دولة متخلفة!! ويُذكر أن المعدلات أعلى عند الرجال عنها عند النساء، ذلك أن الذكور أكثر عرضة لقتل أنفسهم من الإناث بمقدار 3-4 مرات. وذلك لأن الذكور هم من يتحمّلون أكبر قدر من الضغوط والمسؤوليات الاجتماعية على صعيد الاحتكاك بالآخرين والعمل معهم. هناك ما يُقدّر بنحو من 10 إلى 20 مليون محاولة انتحار فاشلة كل عام. وأعتقد أن النسبة إلى تزايد في هذا العالم المتوحش المجنون الذي يجري فيه مكننة الإنسان وتشييئه وتسليعه وتفكيك منظومات القيم والأخلاق لتتيح الرأسمالية العالمية لنفسها مجالاً أكبر لضخ منتجات جديدة وافتتاح أسواق جديدة، فعلى سبيل المثال لا ملاهي ليلية ولا حانات ولا أسواق كبيرة معلنة للألعاب الجنسية في الدول المحافظة كالسعودية وايران وغيرها.. وبالتالي ضرب منظومة القيم في هذه البلدان سيؤدي إلى افتتاح عشرات المنشآت الخاصة بالمشروبات الروحية وغيرها وغيرها. وأن افتعال الحروب وزرع الفتن يؤدي إلى انتشار الفقر وبالتالي وجود يد عاملة رخيصة وعقود عمل غير مُنصفة أشبه ما تكون بعقود الاذعان التي لا يُجيزها القانون.

إن النظام الرأسمالي العالمي هو المسؤول الأكبر برأيي عن العدد الضخم لمحاولات الانتحار في العالم، فهو العقل المُدبّر للقهر والبؤس الانساني إذ يُحوّل العالم الى قسمين، قسم هو عبارة عن ورشات صناعية فيها بشر لا يملكون من الحياة سوى زادهم ليوم تالٍ من العمل والكدح، وقسم آخر فيه الانسان المستهلك المتلاف الذي يلهث خلف تبدلات الموضة وصيحات التكنولوجيا ويرى فيها ضرورة وشرط قبول في تلك المجتمعات التي أصبحت مهووسة بالشيء، ففرصك مع الفتيات ستتراجع إن كانت سيارتك قديمة وهاتفك قديماً وثيابك لا تواكب الموضة، وكذلك المجتمع الذي لن يحترمك ولن يراك إنساناً ناجحاً إلاّ من خلال أشيائك! وهنا تقع المفارقات المؤلمة حيث الحثالة ترتفع، بينما من تلجمهم أخلاقهم عن الكسب غير المشروع والإثراء السهل القائم على الإضرار بمصالح الغير يزدادون بؤساً وفقراً !! هذا العالم القبيح الغول والذي وصفه وعبّر عنه العديد من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والفنانين في تيار ما يُسمّى بـ(ما بعد الحداثة) هو عالم لا منطقي يُعاني من فوضى خلاّقة بالنسبة للمتحكمين به من كبار رجال الأعمال ورؤوس الرأسمالية العالمية وأقطابها. وكما يقول المؤرخ البريطاني أرنولد تويبني: (عصر ما بعد الحداثة يتسم بالاضطراب الاجتماعي والفوضى. والذات فيه صارت حُرة واستهلاكية ومبعثرة وفصامية مقارنة مع الذات في العصور التي سبقته).

باختصار إن الإنسان في جوهره كائن جميل لديه قابلية عالية للتشبّع بالقيم والمُثُل وثقافة التعاون والتشارك والعيش السلمي، لكن العالم تتمُّ إعادة تشكيله وصياغته فيغدو أكثر قبحاً وتعقيداً، ويساهم الإعلام التابع للقوى الرأسمالية في هذه المسألة بشكل رئيسي، وعليه ووسط ضياع معنى الحياة وتكريس النزعة الأنانية والنرجسية لدى الفرد بهدف تكريس حبه للتملّك والاقتناء والاستعراض والتباهي عبر أشيائه وممتلكاته، كل هذا سيقود إلى تراجع في العلاقات الاجتماعية بما تكتنزه وبما تمنحه للفرد من العون والقوة، ومساعد له للحفاظ على توازنه النفسي..الخ.

كل العوامل السابقة ستقود بالمحصلة في اعتقادي إلى تزايد نسبة المنتحرين ومحاولات الانتحار. ومن جهة أخرى تأثّرت وتباينت وجهات النظر حول الانتحار بالموضوعات الوجودية العامة مثل الدين والشرف ومعنى الحياة. فقد كانت الفتاة التي تفقد عذريتها بسبب علاقة غير شرعية مع شاب غرّر بها، تنتحر رغم أن الأديان الإبراهيمية تعدُّ الانتحار معصية لله ويرجع ذلك إلى الإيمان بقدسية الحياة. وخلال عهد الساموراي في اليابان، كانت طقوس (السيبوكو) تُعدّ وسيلة محترمة للتكفير عن الفشل أو تُعدّ شكلاً من أشكال الاحتجاج، والى يومنا هذا تُعدُّ اليابان من أكثر الدول في نسب الانتحار، فالمواطن الياباني نشأ وتربّى على تقديس نظرة المجتمع إليه والى سمعة عائلته خاصّة أن عبادة الأجداد كانت رائجة جداً في اليابان قبل نصف قرن من الزمن، ومازال العديد من رجال الأعمال اليابانيين الذين أفلسوا يقومون بالانتحار، وكذلك كثير ممّن يشعر أنه أخفق بشكل كبير أو جلب العار لاسم عائلته. بمعنى إمّا أن تكون محترماً ناجحاً أو لا تكون.

ويُعدُّ اليأس وبعض الأمراض النفسية من أهم دوافع الانتحار. وأعتقد أن نسب الانتحار في سورية ستتصاعد وسط الحرب الاقتصادية المرعبة وما سبقها من حرب دموية مُدمّرة وعدم وجود ما ندفع به اليأس وسط هبات الاستكلاب والاستذئاب على المال العام ولقمة العيش من قبل مُتنفذين من متسلطين وحيتان مال، ووسط كل هذه الميوعة والنفاق فيما يخصُّ مسألة بتر ومكافحة الفساد، فلم نرَ مشانق عُلِّقت لخونة يتلاعبون بالأمن الاقتصادي أو سواه. خاصة أن الجهود المبذولة لمنع الانتحار تشمل تقييد الوصول إلى الأسلحة النارية، وعلاج الأمراض النفسية وحظر استعمال المخدرات، فضلاً عن تحسين التنمية الاقتصادية.. وهذا كله لا يتمُّ العمل عليه كما ينبغي في بلدنا !!

العدد 895 - 22/1/2020