مجتمع أهلي أم مدني؟

طلال الإمام:

سألني منذ فترة أحد أصدقائي المتابعين عن الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني.

سأحاول الإضاءة على المفهومين، متمنياً من المهتمين المتابعة بالتعليق أو الإضافة.

ثمة فارق كبير بين مفهوم المجتمع الأهلي، ومفهوم المجتمع المدني، ومن الخطأ كما اعتقد التعامل مع المفهومين كمترادفين.

يشير المجتمع الأهلي إلى المجتمعات غير المدينية، أي مجتمعات ما قبل الرأسمالية. فالقبيلة مثلاً مؤسسة من مؤسسات المجتمع الأهلي، لأنها مبنية على تراتبية محددة، وهي توفر مستوى عالياً من التكافل بين أفرادها، وترعى مصالحهم وتحميهم وتنظم علاقاتهم مع المؤسسات القبلية الأخرى.

إن (المجتمع الأهلي) لغةً يشير إلى الأهل أي إلى العائلة والعشيرة والمذهب والحي والحارة. فهيئات المجتمع الأهلي هي المجالس والجمعيات العشائرية والقبلية والعائلية والمذهبية ومجالس الأحياء ومشايخ ووجهاء الحارات.

لكن هذا لا يعني أن المجتمع الأهلي لم يقم بأي دور اجتماعي إيجابي؟ لا، أبداً، فقد لعب دوراً تقدمياً في وقته، وكان يمثل نقـلة نوعية وطفرة حضارية من الهمجية والتـفـرق العائلي إلى مستوى أرقى (قبل تأسيس الدولة). كما حافظ هذا التنظيم على ملايين البشر من الانقراض والموت المحقق في الحروب، والغزوات والمحن الرهيبة والكوارث الطبيعية، حافظ على وجودهم. فقد كان شيخ العشيرة على سبيل المثال يعد نقلة نوعية وحضارية من التفـرق إلى عوائـل منعـزلة أو متناحرة، إلى مستوى توحيد اجتماعي أعلى. ولكن بظهور المدن الكبيرة أصبح هذا التنظيم للحياة الاجتماعية عائقاً أمام تنظيم أرقى وأكثر حضارية، نقصد أمام مؤسسات المجتمع المدني.

يمكن أن نشاهد في الوقت الراهن ثلاثة نماذج للمجتمعات:

– مجتمعات مدنية خالصة قطعت تماماً مع المجتمع الأهلي.

– مجتمعات/ دول (نص ونص) اًي نجد فيها أن النموذجين يعملان: المجتمع الأهلي (في القرى خصوصاً) الى جانب المجتمع المدني (في المدن الكبيرة).

– وهناك بعض الأنظمة (ممالك، إمارات) تقوم على المجتمع الأهلي فقط وتعطيه الدور الأول في الأحوال المدنية والنزاعات بين الأفراد أحياناً كثيرة، بهدف استمرار سيطرتها الاقتصادية والسياسية، مثلاً عبر تنمية النزعات العشائرية أو الطائفية.

أخيراً لا بد من الإشارة إلى ظاهرة بدأت تتسع في الفترة، وغالباً بفعل تدخلات خارجية مقصودة. تتمثل هذه الظاهرة في قطع الطريق على تطور الدولة/ المجتمع نحو المجتمع المدني، وإحياء دور العشائر القبيلة او المؤسسات الدينية والطائفية (العراق بعد الاحتلال الأمريكي مثالاً).

إن واجبنا هو العمل من أجل مجتمع مدني يقوم على مؤسسات مدنية في جميع المجالات، مجتمع يعامل فيه المواطنون على أنهم متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الانتماء الديني، الطائفي، العرقي، القبلي أو العشائري، أو الجنسي.

شكّل الانتقال من المجتمع الأهلي الى المجتمع المدني نقلة نوعية نحو الأمام في تاريخ التطور الإنساني، وكلّف ضحايا كثيرة، وأي نكسة او تراجع في هذا الطريق يعني التأسيس لصراعات دينية، طائفية، أو إثنية، تعرقل تطور البلد نحو الأمام في جميع المجالات الاقتصادية، السياسية، الثقافية والاجتماعية.

أرحب بآرائكم

 

العدد 905 - 01/4/2020