بين المجتمعين المدني والعلماني

طلال الإمام:

بداية أشكر إدارة التجمع العربي للتنوير على طرحها للنقاش مسألة (الدولة المدنية الحديثة) لأنها مسألة حيوية جداً تحتاجها المجتمعات التي تعاني من مختلف أنواع الاضطهاد أو الاستبداد: الاقتصادي، السياسي، الديني/ الطائفي أو الإثني.

نشأت فكرة المجتمع المدني في أوربا، وخصوصاً في عصور النهضة الفكرية التي كانت تقاوم الحُكم الإقطاعي القائم في معظم الدول الأوربية الذي اعتمد على الكنيسة والإقطاع. بدأت تنتشر مفاهيم المجتمع المدني ومعها مفهوم المبادئ السياسية لحقوق الإنسان. يعتبر الفيلسوف جان روسو وغيره من أوائل الفلاسفة الذين اهتمّوا بفكرة تطبيق المجتمع المدني في أوربا، من خلال منح الشعب الحُريّة في إدارة شؤونه الخاصة بالاعتماد على التنسيق بينه وبين الدولة، ممّا يُساهم في تحديد الحقوق والواجبات لكل فرد داخل المجتمع.

 

يشير مصطلح المجتمع المدني إلى كل أنواع الأنشطة التطوعية التي تنظمها الجماعة حول مصالح وقيم وأهداف مشتركة: رياضية، فنية، اجتماعية، إنسانية، سكنية وما شابه ذلك. ونقول بداية إنه لا يشمل النشاط السياسي المباشر، فتلك مهمة الأحزاب السياسية.

يمكن تسمية المجتمع المدني بالرأي العام الذي يساهم في التأثير على سياسات الدولة. من الممكن أن تشاهد مثلاً أعضاء في نادٍ رياضي أو جمعية سكنية أو بيئية ينتمون لإيديولوجيات وأحزاب مختلفة.

يضم المجتمع المدني مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية ولها وجودٌ في الحياة العامة، وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية أو بيئية، كما تشمل النقابات العمالية. النقطة الأهم أن تكون مستقلة عن الحكومة والقطاع الخاص الذي يسعى للربح.

. ولعل هذا الطابع الاستقلالي هو ما يسمح لهذه المنظمات بأن تعمل على الأرض وتضطلع بدور هام في أي نظام ديمقراطي.

كما لابد من الإشارة إلى انه لا يمكن لهيئات المجتمع المدني أن تنشط ويصبح دورها فعالاً وذا تأثير إلا في الأنظمة ال ديمقراطية. وهذا ما يوجب على الدولة تأمين عمله وقوننته واستقلاليته.

يجري أحياناً التباس بين مفهومي المجتمع المدني والمجتمع العلماني. نقول إن ثمة تقاطعات بينهما ولكنهما ليسا متطابقين. قد نجد أحياناً مجتمعاً مدنياً لكنه ليس علمانياً، بينما المجتمع العلماني يشمل حتماً كما اعتقد مفهوم المجتمع المدني. المفهومان يحتاجان إلى فضاء  ديمقراطي اًي إلى دولة  ديمقراطية كي يزدهرا.

العلمانية تعني فيما تعنيه إنهاء سلطة رجال الدين على الدولة والتعليم، بمعنى فصل الدين عن الدولة مع ضمان حق المتدينين في ممارسة طقوسهم الدينية بحرية، وكذلك ضمان حق غير المتدينين في ممارسة نشاطاتهم دون خوف من عقاب أو تكفير.

إن أبرز ما حققه مفهوم العلمانية على الصعيد الحضاري هو إنهاء الصراعات والاضطهاد الطائفي والحروب الدينية. يكفي على سبيل المثال تذكُّرُ الخلافات الدامية بين البروتستانتية والكاثوليكية في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، والحروب الدينية الطاحنة التي سبقت عصر العلمانية. صارت هذه الحروب والصراعات مستحيلةً اليوم في المجتمعات العلمانية بفضل المساواة المطلقة بين الجميع. بينما تعاني المجتمعات الشرقية (مجتمعاتنا اليوم) من نزاعات وصراعات دينية وطائفية مدمرة للوطن، للمجتمع وللإنسان. لذلك تغدو المطالبة بالعلمانية ضرورية كما الهواء لمجتمعاتنا.

الدولة المدنية لا تقرّ دوماً ولا تنص دساتيرها العلمانية من حيث فصل الدين عن الدولة. وهذا برأينا لا يبعث الأمل الجاد بإمكانية التساوي الكليّ الحقيقي بين مختلف الفئات الدينية أو العرقية في الدولة المدنية المنشودة، أو بإمكانية القطيعة مع ما يؤدّي إلى تمييز فئةٍ عن أخرى. فضلاً عن أن أدبيات الدولة المدنية لا تضمن الاعتراف بحقِّ عدم الإيمان أو الإلحاد.

نعتقد أن أحد أبرز الإنجازات الحضارية للدولة العلمانية إلغاؤها المطلق لِشرعية أية (فتوى) دينية أو سياسية تمسّ حياة عالِمٍ أو مفكِّر، أو تمنع إصدار أي كتاب. لذلك من الضروري أن تترافق الدعوة للمجتمع المدني بالدعوة للمجتمع العلماني، وإلا كانت خطوة عرجاء، ومجتمعاً يسير برجل واحدة. لا تبدو حتى الان في مشاريع دولنا المدنية أية نوايا تتعلق بالفصل القانوني بين الدين والسياسة والعِلم، بغية القطيعة الجذرية مع تاريخنا الحافل بفتاوى دينيةٍ وسياسيةٍ مضرّجةٍ بالقمع والدم مسّت حياة مفكرينا وأدبائنا بشكلٍ مريع.

تظلُّ المدرسة العلمانية أعظم إنجازات الدول العلمانية بلا منازع. يتأسّس عليها التفوق الحضاري لهذه الدول على بقية العالم. فهذه المدرسة (التي يَدرس فيها أبناء غير المتدينين أو ذوي الديانات والمذاهب المختلفة معاً، بشكلٍ حضاريٍّ متآلفٍ متناغم) مفصولةٌ تماماً عن تأثير أي دينٍ كان، أو فلسفةٍ مُلحِدة. تُعلِّمُ الطالبَ كيف يُفكِّر بروحٍ نقديّة، كيف يحكم وحده دون أي يقينٍ مسبق بأية عقيدةٍ أو إيديولوجية، كيف يمارس حريّته في التحليل والتمحيص والرفض، وكيف يبني يوماً بعد يوم شخصيَّته المستقِلّة. تُكرِّس هذه المدرسة في الطالب العقليّةَ العلميّةَ الخالصة وتُنمِّي استخدامَها لِفهمِ الكونِ والحياة انطلاقاً من مبادئ السببيةِ والتجربة والبرهان، وعبر دراسةِ نظريات العِلم الحديث، لاسيما نظريات النشوء والارتقاء، الانفجار الكوني الكبير، تسمح له هذه المدرسة أيضاً بالانفتاحَ على استيعاب كلِّ التراث الفكري الإنساني بمختلف تياراته الفلسفية، دينية أو لادينية… هي باختصار: مدرسة ثقافة العقل والحرية والحداثة بامتياز.

ثمّة أيضاً إنجازٌ حضاريٌّ علمانيٌّ هام: تحوّلَ الدين في الدول العلمانية إلى سلطةٍ روحية خالصة، لا يستطيع النظام السياسيّ التحكّم بها. لا يمكنه مثلاً إعداد الخطب الدينية التي تُلقى في المعابد.

باختصار شديد: ينتمي مفهوم الدولة العلمانية إلى حزمة من المفاهيم الإنسانية الحديثة الراقية التي تتغلغل جذورها في أعماق الفكر الإنساني العالمي. لا يرتبط هذا المفهوم بالطبع بنظامٍ محدّد، رأسمالي أو اشتراكي، يمينيٍّ أو يساري.

نعتقد أن الدولة المدنية والعلمانية ضرورية لبلداننا، وتعد مخرجاً أساسياً من الصراعات الدموية الذي تشهده منطقتنا، من الاستبداد الديني والطائفي. هذا إذا كنا نرمي إلى توجيه ثرواتنا الطبيعية والبشرية نحو سعادة شعوبنا، نحو القضاء على المرض، الجهل والأمية وعلى البطالة واللحاق بالتقدم العلمي للبشرية.

السؤال: هل هذا ممكن؟

نعم ممكن، صعب لكنه ليس مستحيلاً، إذا درسنا تاريخ العديد من الشعوب التي عانت ما نعانيه ووجدت مخرجاً. يجب من أجل تحقيق ذلك استخدام جميع الوسائل السلمية التنويرية، عبر الحوار، عبر المطالبة بدساتير مدنية وعلمانية، عبر تغيير مناهج التعليم لتتوافق متطلبات المجتمع المدني والعلماني.

إنه طريق طويل وشاقّ، ولكن متى كانت التغييرات الكبرى والمنعطفات التاريخية سهلة!؟

إنها مهمتنا جميعاً تنويريين وعلمانيين.

العدد 922 - 12/08/2020